مقالات الرأي
أخر الأخبار

كوشة الجوع وعرش الفساد: جنوب كردفان تُستنزف من الأعلى وتُدفن من الأسفل بقلم زكي شيكو

كوشة الجوع وعرش الفساد: جنوب كردفان تُستنزف من الأعلى وتُدفن من الأسفل
بقلم: زكي شيكو

في مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، يقف طفلان حفاة الأرجل، يحفران بأيديهم الصغيرة في كومة من القمامة، يبحثان عن شيء يسد به رمق جوعهما. لا يطلبان المستحيل، فقط لقمةً نظيفة، أو بقايا طعام لم يعبث بها الذباب. وفي ذات اللحظة، يجلس الوالي ولجنته الأمنية على مائدة فاخرة، تمتلئ أطباقها بلحوم مستوردة، وخضروات محفوظة، وماء بارد لم يقطر في شفاه سكان الأحياء المنسية منذ أن شبّت نار حرب 15 أبريل.

هنا في جنوب كردفان، لا يموت الناس فقط من الحرب، بل من الجوع، من الإهمال، من خيانة القيادات، من تحالفات لا تراعي الدم، من حكومة لا ترى أهلها ولا تسمع أنينهم، بل تتغذى على ضعفهم كما يتغذى السوس على جذوع الشجر الميت.

80% من جنود الجيش السوداني هم من أبناء جبال النوبة، ومع ذلك، تجد أهلهم محاصرين، منسيين، منهوبين. فتح طريق الدبيبات أصبح أكثر أهمية من فتح طريق الخبز. الميزانيات تُصرف على الحروب، بينما المواطن لا يجد دواءً ولا خبزًا ولا كرامة.

لا نتمنى لنوباوي أن يقتل نوباويًا، لا باسم الدولة ولا باسم الحركة الشعبية. لا نريد أن نُقتل بأيدينا، ولا أن نُستعمل أدوات لصراعات الكبار. آن الأوان لأن نتجاوز التحالفات الضيقة والمصالح المؤقتة، ونقف مع إنساننا، مع أطفالنا الذين يأكلون من “الكوشة”، بينما أباؤهم لا يملكون إلا الصمت لأن أصواتهم مخنوقة وسط دوائر القمع والفساد.

نداءٌ من قلب الجبال إلى كل أبناء جنوب كردفان…

إلى أبناء هذه الأرض في كافة دول العالم، الذين حملوا وجعها في غربتهم: هل تظنون أن صور الأطفال في القمامة لا تطاردكم؟ هل تظنون أن بيوت الطين التي ولدتم فيها أصبحت ماضٍ؟ لا، بل هي مستقبل مَن بعدكم، إن لم تقفوا الآن.

إلى أبناء جنوب كردفان الذين يتقلدون المناصب في الحكومة المركزية: لا شرف لمن يعتلي الكرسي وينسى من حملوه إليه. إن لم تستطيعوا أن تُحدثوا فرقًا، على الأقل لا تكونوا جزءًا من الجريمة.

إلى كل إنسان عاش في هذه الولاية، حتى إن لم يكن ينتمي إليها قبليًا أو سياسيًا: هذه الأرض التي أطْعمتكم وأظلّتكم، تستغيث. فهل تردّون الجميل أم تنسون؟

وإلى الحركة الشعبية لتحرير السودان – بكل فصائلها – نوجه سؤالاً مرًا: هل تقاتلون من أجل الناس، أم من أجل المواقع؟ هل نسيتم لماذا حملتم السلاح؟ لا نريد شعارات، بل نريد دواءً للنساء، ولبنًا للأطفال، وسلامًا لا يُقايض كرامتنا بالصفقات.

تجّار الدم وتجارب الأزمات

كل أزمة تمر بها الولاية تُصبح مشروعًا جديدًا للنهب. السيول، الحرب، الجفاف، النزوح… كلها تتحول لفرص للمسؤولين لملء جيوبهم. بينما المنظمات الإنسانية تُستغل كغطاء للتربح لا للنجدة. الكارثة ليست في الأزمة، بل في من يديرها. من تلوثت قلوبهم قبل أيديهم.

جبال النوبة: لا أحد يرانا… لكننا نراكم

جبال النوبة ظلت دومًا تحت مجهر الاستغلال: تُستدعى حين تدعو الحاجة، وتُرمى حين تنتهي اللعبة. لكن الجبال لا تنحني، والناس هنا ليسوا عبيدًا في مزارع الساسة. نحن لا نطلب المستحيل، بل فقط حياة كريمة، حكومة صادقة، وحقنا الطبيعي في العيش مثل بقية البشر.

كلمة أخيرة: من لا يسمع الصرخة، سيسمع الانفجار

لكل مسؤول في ولاية جنوب كردفان، لكل عضو في لجنتها الأمنية، لكل صاحب قرار يمرر الكارثة بصمت: هل تملكون الجرأة أن تنظروا في أعين هؤلاء الأطفال؟ هل تستطيعون أن تأكلوا وجباتكم كاملة دون أن تعود صورهم إليكم في المنام؟

تذكّروا جيدًا: حين تخونون أهل الولاية، أنتم لا تحكمون، بل تسرقون. ولا تبنون، بل تهدمون. وإن غابت العدالة اليوم، فإن الغد لن يرحم.

هذا المقال ليس مجرد كلمات، بل صرخة من جوف النسيان، من تحت أقدام المتعبين… فلربما يسمعنا من تبقّى له ضمير. فلربما يكون بداية لحياة أنظف، أو لثورة أطهر. لأن السكوت في هذه اللحظة خيانة.

#كوشة_الجوع_وعروش_الفساد
#جبال_النوبة_لن_تنكسر
#الولاية_أمانة_وليست_غنيمة
#الضمير_أقوى_من_السلاح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى