مقالات الرأي
أخر الأخبار

تشخيص قرارات لجنة الطوارئ الاقتصادية في السودان أغسطس 2025م مع التوصيات المنهجية للحل بقلم الدكتور/ محمد عوض متولي. الخبير الاقتصادي المشارك بالمركز الأفريقي لدراسات السلام والتحول

تشخيص قرارات لجنة الطوارئ الاقتصادية في السودان أغسطس 2025م
مع التوصيات المنهجية للحل

بقلم الدكتور/ محمد عوض متولي.
الخبير الاقتصادي المشارك بالمركز الأفريقي لدراسات السلام والتحول.

تتطلب القرارات الصادرة عن لجنة الطوارئ الاقتصادية في السودان خلال أغسطس 2025 تحليلًا عميقًا لتقييم تأثيرها على الوضع الاقتصادي المتردي. هذه القرارات، التي غالبًا ما تُتخذ تحت ضغط الظروف الاستثنائية، تحمل في طياتها جوانب إيجابية وسلبية، وتتطلب حلولًا منهجية لمواجهة التحديات الاقتصادية.

تهدف قرارات لجنة الطوارئ الاقتصادية في السودان، برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، التي صدرت في أغسطس 2025، بشكل أساسي إلى وقف التدهور السريع في قيمة الجنيه السوداني والسيطرة على التضخم المتزايد من خلال ضبط قطاعي الذهب والاستيراد.
القرارات التي اتخذتها اللجنة في أغسطس 2025 تهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق الاستقرار في ظل التدهور الاقتصادي، ومحاولة ضبط الأسواق الموازية، والسيطرة على التضخم المتصاعد.
​التشخيص العميق للوضع
​القرارات تشخص الوضع على أنه ناتج عن ​تدهور قيمة الجنيه السوداني: فقدان الثقة في العملة المحلية أدى إلى هروب رؤوس الأموال وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
​ارتفاع معدلات التضخم: العجز في الموازنة العامة، إلى جانب الطباعة النقدية، تسبب في ارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
​تزايد أنشطة السوق الموازي: غياب الرقابة الفعالة شجع على انتشار التجارة غير الرسمية والتهريب.
​نقص السلع الأساسية في ظل الأزمات المتعاقبة أدت إلى شح في الوقود والخبز والسلع الاستراتيجية الأخرى.
القرارات تشخص الوضع على أنه ناتج عن ​تدهور قيمة الجنيه السوداني فقدان الثقة في العملة المحلية أدى إلى هروب رؤوس الأموال وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
​ارتفاع معدلات التضخم العجز في الموازنة العامة، إلى جانب الطباعة النقدية، تسبب في ارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
​تزايد أنشطة السوق الموازي غياب الرقابة الفعالة شجع على انتشار التجارة غير الرسمية والتهريب.
​نقص السلع الأساسية الأزمات المتعاقبة أدت إلى شح في الوقود والخبز والسلع الاستراتيجية الأخرى.
القرارات تضمنت أيضاً مجموعة من الإجراءات المشددة التي تشخص الأزمة على أنها ناجمة عن عوامل رئيسية هي ​تهريب الذهب يُعتبر المورد الرئيسي للنقد الأجنبي، لكنه لا يعود بالكامل إلى خزينة الدولة.
​ارتفاع الواردات.. الواردات غير الضرورية والتهريب عبر المعابر غير الرسمية (الطبالي) تساهم في زيادة الطلب على العملات الأجنبية وتآكل الاحتياطي النقدي.
​غياب الرقابة الفعالة ضعف الرقابة على الأسواق الموازية أدى إلى انتشار المضاربة وانهيار الجنيه.
​لذلك، اتخذت اللجنة قرارات شملت حظر حيازة الذهب دون مستندات رسمية، وحصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة، وتفعيل دور قوات مكافحة التهريب. كما تضمنت القرارات مراجعة سياسات الصادرات والواردات، ومحاولة ضبط عمليات الاستيراد غير المقننة.
إنَّ تحليل الوضع الاقتصادي في السودان خلال أغسطس 2025 يتطلب فهمًا عميقًا لتداخل العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. فالبلاد لا تواجه أزمة اقتصادية اعتيادية، بل انهيارًا بنيويًا يهدد استقرارها ومستقبلها.
​تشخيص الأزمة الاقتصادية
​يعاني الاقتصاد السوداني في أغسطس 2025 من مجموعة من التحديات المترابطة التي تضعف قدرة الحكومة على إدارة شؤون البلاد. يمكن تلخيص هذه التحديات في النقاط التالية:
​الجمود الاقتصادي الأمر الذي فجر الصراعات المسلحة مع تدمير البنية التحتية، وتعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي. توقعات البنك الدولي تشير إلى انكماش الاقتصاد بشكل كبير في عام 2025.
​تدهور قيمة العملة ( الجنيه السوداني فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، بسبب ندرة النقد الأجنبي وهيمنة السوق الموازية. أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، مما أثر سلبًا على القوة الشرائية للمواطن.
​أزمة الموارد تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا في تأمين الموارد اللازمة للإنفاق، بسبب تقلص الإيرادات الضريبية والجمركية، مما يدفعها إلى الاعتماد على حلول غير مستدامة مثل طباعة النقود.
​أزمة الغذاء مع استمرار الصراع، يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود خطر حقيقي بحدوث مجاعة في بعض المناطق، خاصة في دارفور وكردفان.
​النزوح واللجوء أدت الاضطرابات إلى نزوح ملايين الأشخاص داخليًا وخارجيًا، مما زاد من الضغط على الموارد المحدودة للدولة والمجتمعات المضيفة.
تحديات لجنة الطوارئ الاقتصادية
​في ظل هذا الوضع المعقد، تعمل لجنة الطوارئ الاقتصادية في ظل تحديات هائلة تضع قدرتها على إحداث فرق حقيقي موضع تساؤل:
​غياب المعلومات الدقيقة: تعمل اللجنة في ظل غياب البيانات الموثوقة، مما يجعل قراراتها مبنية على تقديرات غير دقيقة وقد لا تعكس حقيقة الوضع على الأرض.
​الاعتماد على الحلول الأمنية: تميل اللجنة إلى اتخاذ قرارات ذات طبيعة أمنية وإدارية، مثل حظر حيازة الذهب أو السيطرة على المعابر، وهذه الحلول لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة، بل قد تزيد من نشاط السوق السوداء.
​غياب التنسيق مع القطاع الخاص: القرارات المتخذة لا تأخذ في الاعتبار آراء الخبراء والقطاع الخاص، مما يجعلها عرضة للفشل في التنفيذ
سؤال يفرض نفسة هل تنقذ القرارات الاقتصاد السوداني؟
من إيجابيات هذه القرارات منها ​الاستجابة الفورية حيث تُظهر القرارات محاولة جادة وسريعة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية، خاصةً فيما يتعلق بضبط أهم مورد نقدي أجنبي وهو الذهب.
​السيطرة على التهريب قد تساهم الإجراءات الصارمة في الحد من تهريب الذهب والسلع، مما يعيد بعض الموارد المالية إلى الدولة.
​تخفيف الأعباء: مراجعة الجبايات غير القانونية المفروضة من الولايات قد يخفف بعض الأعباء عن المواطن.
الاستجابة السريعة لهذه القرارات تعكس محاولة للتدخل الفوري في ظل الأزمة الحالية، وهي خطوة ضرورية في أوقات الطوارئ.
​استهداف الأسواق الموازية محاولة ضبط تجار العملة والسلع في السوق الموازية قد يساهم بشكل مؤقت في استقرار الأسعار.
​الرقابة على السلع الأساسية تحديد أسعار جبرية لبعض السلع قد يهدف إلى حماية الفئات الضعيفة من الغلاء الفاحش
أيضا لهذه القرارات ​سلبيات من ضمنها
ال​مقاربة أمنية غير مستدامة حيث أن الاعتماد على الحلول الأمنية والإدارية (مثل حظر الحيازة وحصر التجارة) دون إصلاحات هيكلية هو “إعادة إنتاج للفشل”. هذه القرارات قد تدفع تجارة الذهب إلى الخفاء وتزيد من أنشطة السوق السوداء.
​غياب التشاور… غياب القطاع الخاص، خاصة مصدري الذهب، عن عضوية اللجنة يثير مخاوف من أن القرارات لم تُصغَ بالتشاور مع الفاعلين الرئيسيين في السوق، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية على القطاع.
قرارات قسرية غير مستدامة الإجراءات التي تعتمد على القوة، مثل الرقابة الصارمة وتحديد الأسعار، غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، مثل اختفاء السلع من الأسواق الرسمية وظهور سوق سوداء أكثر تنظيمًا.
​غياب الحلول الهيكلية: القرارات تركز على معالجة الأعراض دون التطرق إلى الأسباب الجذرية للأزمة، مثل ضعف الإنتاج، وخلل السياسات المالية، والفساد.
​انعدام الثقة عدم وجود رؤية اقتصادية واضحة ومستدامة يقلل من ثقة المستثمرين والمواطنين في الحكومة، مما يعيق أي جهود مستقبلية للإصلاح.
​تأثيرات اجتماعية واقتصادية سلبية التشدد في الرقابة قد يضر بالتجار الصغار والموردين، مما يؤثر على سلاسل الإمداد ويزيد من الأعباء على المواطنين.
هنالك ​حلول سطحية لهذه القرارات لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة مثل ضعف الإنتاج، والاعتماد على مصدر دخل واحد (الذهب)، والطباعة النقدية لتغطية العجز الحكومي.
​بناءً على ذلك، من غير المرجح أن تنقذ هذه القرارات بمفردها الاقتصاد السوداني من الغرق، لأنها تركز على الأعراض لا على المرض نفسه.
ولتحقيق استقرار اقتصادي مستدام، يجب على الحكومة السودانية أن تتبنى منهجًا شاملًا يجمع بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد.
اي ​إصلاحات هيكلية واسعة
​تنويع الاقتصاد يجب الانتقال من الاعتماد على الذهب فقط إلى تطوير قطاعات أخرى مثل الزراعة والثروة الحيوانية.
مع ​تشجيع الاستثمار بسن قوانين ولوائح مشجعة للاستثمار المحلي والأجنبي، وخفض الدولار الجمركي، وتقديم التسهيلات للمستثمرين.
إجراء ​إصلاحات مالية ونقدية تتمثل في
​ضبط السيولة والتحكم في طباعة النقود ووقف تمويل العجز الحكومي عبرها.
مع وضع ​سياسات نقدية واضحة يجب أن تكون سياسات البنك المركزي شفافة وموجهة نحو استقرار سعر الصرف على المدى الطويل.
​إشراك القطاع الخاص يجب أن يتم التشاور مع جميع الفاعلين الاقتصاديين، من منتجين وتجار ومصدرين، عند صياغة القرارات لضمان فاعليتها وقبولها.
​مكافحة الفساد لا يمكن لأي قرارات أن تنجح دون مكافحة حقيقية للفساد والجبايات غير القانونية، التي تُضعف ثقة المستثمرين وتُعرقل النمو.
وضع برنامج إصلاح اقتصادي شامل بدلاً من القرارات اللحظية، يجب وضع برنامج اقتصادي متكامل يستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، ويدعم الإنتاج المحلي، ويعزز الصادرات.
إصلاحات مالية ونقدية جذرية:
​ضبط الإنفاق العام بتقليل العجز في الموازنة من خلال ترشيد الإنفاق الحكومي.
​سياسات نقدية واضحة يجب على البنك المركزي اتخاذ سياسات نقدية شفافة وفعالة للسيطرة على التضخم، مثل التحكم في المعروض النقدي
.إعادة بناء الثقة لتوطين مبدأ
​الشفافية إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في صياغة القرارات الاقتصادية لضمان شفافيتها ومصداقيتها.
​استقطاب الاستثمارات: توفير بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي عبر تبسيط الإجراءات القانونية والإدارية.
دعم القطاعات الإنتاجية: توجيه الدعم إلى القطاعات التي يمكنها تحقيق النمو والتشغيل، مثل الزراعة والثروة الحيوانية ، لزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل.
المساعدات الإنسانية والاجتماعية: يجب أن ترافق الإجراءات الاقتصادية خطة عاجلة لتقديم المساعدات للفئات الأكثر ضعفًا، مما يقلل من الأثر الاجتماعي السلبي للإصلاحات.
التعاون مع المجتمع الدولي: يجب على السودان أن يعيد بناء علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للحصول على الدعم الفني والمالي اللازم للإصلاحات.
القرارات الاقتصادية الطارئة لا يمكن أن تكون حلاً نهائياً، بل يجب أن تكون خطوة أولى نحو خطة طويلة الأمد تستهدف بناء اقتصاد قوي ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى