مقالات الرأي
أخر الأخبار

*مؤتمر نيروبي صفارة الإنذار الأعلى صوتاً* *بقلم المهندس/حسب الله النور*

بسم الله الرحمن الرحيم

*مؤتمر نيروبي صفارة الإنذار الأعلى صوتاً*

*بقلم المهندس/حسب الله النور*

إن اختبار السياسة يكمن في معرفة كيف ستنتهي الحرب وليس في معرفة كيف تبدأ، وذلك لأن الحروب إنما تبدأ بقرار سياسي وتتوقف بقرار سياسي. وبما أن طبيعة الأعمال السياسية إخفاء الأهداف، كان لزاماً الاهتمام بأي عمل سياسي وإن صغر، سيما في زمن الحروب، فإن الاهتمام يكون أشد لأن عواقبه تكون أكبر.

قال تعالى: (“وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ …)

إن مؤتمر نيروبي الأخير، والذي توج بميثاق سياسي يفضي إلى تكوين حكومة موازية لحكومة السودان، هو حدث سياسي لا يمكن تجاهله أو التغافل عنه أو الاستخفاف به، كما صدرت بعض التصريحات والمقالات من هنا وهناك، واصفة المؤتمرين بأنهم لا يمثلون أهل السودان، وأنهم فئة قليلة، وأنهم لنا لغائظون. في حقيقة الأمر، فإن المؤتمر حدث سياسي لن يكون ما قبله كما بعده، فقد حضره جمع من أعضاء في أحزاب سياسية وحركات مسلحة وإدارة أهلية وناشطين سياسيين ومن المجتمع المدني وغيرهم، وهذا في حد ذاته رسالة لها دلالاتها مهما كان عددهم ووزنهم.

أما إذا كان لهذا المؤتمر حقاً مصداقية لتكوين حكومة تمثل أهل السودان وتحقق السلام، لكان انعقد في الفترة التي كان الدعم السريع منتشراً في عدة ولايات. أما أن يعلن عن هذا الميثاق بعد تراجع الدعم السريع عن أماكن انتشاره منكمشاً في اتجاه دارفور، فإن هذا لشيء يراد.

في حالة النزاعات المسلحة، فإن مطالب المنهزم عادة ما يكون سقفها منخفضاً، وهذا عكس ما نراه في حالة الدعم السريع الذي يسعى لتكوين حكومة موازية وهو يتلقى الهزيمة تلو الأخرى، مما يشير إلى أن هناك قوة ما تقف وراء هذا العمل.

وبالنظر إلى صياغة مسودة الميثاق، نجد أنها تشير إلى الهدف من هذا المؤتمر وما سيترتب عليه، كما كشف ذلك وزير الخارجية السوداني، حيث قال: **”إن حصول الدعم السريع على الأسلحة بشكل مباشر سيطيل أمد الحرب”، مشيراً إلى أن ميثاق كينيا بين الدعم السريع وحركات مسلحة يدعو لتمزيق السودان بإقراره مصطلح “الشعوب والأقاليم السودانية”.

وفي البند رقم 7 من الميثاق: **”في حالة عدم الإقرار أو النص على علمانية الدولة في الدستور الانتقالي أو الدستور الدائم المستقبلي، وانتهاك أي مبدأ آخر من المبادئ فوق الدستورية، يحق لجميع الشعوب السودانية ممارسة حق تقرير المصير”.

وهو شرط حتماً مرفوض من جمهرة أهل السودان، فهو يتعارض مع عقيدتهم. ومعلوم أن الشرط المقابل لطلب تعجيزي يعني أنه قرار مغلف ولا يراد منه إلا حق تقرير المصير الذي يعني بالضرورة الانفصال.
وفي سياق متصل، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الاثنين، في تعليقه على ميثاق نيروبي: “إن المحافظة على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه تظل أمراً أساسياً لتحقيق حل مستدام للنزاع”، في إشارة واضحة إلى أن الميثاق يهدد وحدة السودان.
وبذلك يكون الهدف واضحاً، وهو استهداف وحدة البلاد بشكل لا لبس فيه.
إن المتابع للأحداث في السودان منذ نشأة هذه الحرب وحتى مؤتمر نيروبي يلاحظ أن أمريكا ممسكة بجميع الخيوط ولا تسمح بتدخل أي دولة إلا بالقدر الذي يسير وفق مخططاتها.
حيث نشر الرئيس الكيني، وليام روتو، المتآمر على وحدة السودان، في تغريدة له على منصة (X) قال فيها: “بحثت هاتفياً مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأوضاع في السودان والدور المحوري الذي تلعبه بلادنا في توفير منصات للأطراف الفاعلة، بما فيها الأحزاب والمجتمع المدني وفاعلون آخرون، بغية الإسهام في جهود وقف انزلاق السودان نحو الفوضى”.
وقد كشف الرئيس الأسبق عمر البشير بكل صراحة ووضوح نوايا أمريكا في السودان، حيث قال في مقابلة أجرتها معه وكالة (سبوتنيك) الروسية في زيارته الأخيرة لروسيا: “الضغط والتآمر الأميركي على السودان كبيران، وتحت الضغوط الأميركية انفصل جنوب السودان، يعني السودان انقسم”، وشدد البشير على أن “الانقسام كان بضغط وتآمر أميركي، والخطة الأميركية هي تدمير السودان وتقسيمه إلى خمس دول”. و للأسف كان عمر البشير أول من سار في مخطط تقسيم السودان”.
إذن نحن أمام جريمة مكتملة الأركان، المخطط معلوم، ومنفذو الجريمة معلومون، والأدلة بين أيدينا.
إن التصدي لهذا المخطط إنما يحتاج إلى وقفة قوية وحاسمة ومحاسبة كل من شارك فيه ولو بشطر كلمة. ولكن لا أرى أن حكومة السودان تسير بعزم وحسم، فبيان الخارجية السودانية الذي استهل بعبارة “نأسف للحكومة الكينية”، وهي التي لا تخفي تآمرها على السودان، إن موقف وزير الخارجية هذا لا يرتقي إلى مستوى الجرم الكيني الذي أشار إليه الوزير في تصريحه السابق.
أما تصريح وزير الإعلام، والذي وصف ما جرى في نيروبي بأنه لا يعدو أن يكون تظاهراً سياسياً ليس له أثر على الأرض، والذي يتناقض مع تصريح وزير الخارجية، فإن دل على شيء فإنما يدل على أن الحكومة لم تجتمع لمناقشة هذا الأمر، وهو نفس التماهي الذي تم مع الدعم السريع سابقاً، والذي نصطلي الآن بناره.
قال صلى الله عليه وسلم: “ما مِن والٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وهو غاشٌّ لهمْ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ”.
إن التعامل بالإهمال والسكوت على المنكر لا يليق بالمسلم، وهو ما ساهم سابقاً في انفصال الجنوب.
ويقول ﷺ: “لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجيب”.
فأروا الله من أنفسكم خيراً، ولا تدعوا البلاد تضيع من بين أيديكم وأنتم شهود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى