مقالات الرأي
أخر الأخبار

دبلوماسية الظل.. حينما تتقدم المخابرات الصفوف بصمت

دبلوماسية الظل.. حينما تتقدم المخابرات الصفوف بصمت

كتب: محمد عثمان الرضي

تُعد دبلوماسية الخيار الصامت، المعروفة بدبلوماسية المخابرات، واحدة من أخطر وأهم أدوات العمل السياسي والأمني في أزمنة الحروب والصراعات المفتوحة.

فهذه الدبلوماسية لا تعمل عبر المنابر ولا تُدار بالتصريحات، بل تتحرك بهدوء محسوب في مساحات معقدة، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الأجندات.

وفي وقت تعلو فيه أصوات المدافع، تنخفض أصوات الدبلوماسيين التقليديين، لتتقدم دبلوماسية المخابرات إلى واجهة التأثير الحقيقي.

تكمن خطورتها في قدرتها على تحييد مواقف الخصوم، وتحويل بعضهم من أعداء مباشرين إلى أطراف محايدة، أو حتى حلفاء مرحليين.

وتنجح هذه الدبلوماسية في بناء تحالفات تكتيكية واستراتيجية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحدث فرقًا حاسمًا في موازين القوى.

بطبيعة مهامها الخاصة، يُفرض سياج عالٍ من السرية والكتمان على من يتولون هذا النوع من العمل الدبلوماسي شديد الحساسية.

فلا تظهر إنجازاتهم في نشرات الأخبار، ولا تُكتب أسماؤهم في البيانات الرسمية، رغم ثقل أدوارهم وتأثير قراراتهم.

يفضل رجال دبلوماسية المخابرات العمل في الظلام، وداخل الغرف المغلقة، حيث تُدار الملفات الكبرى بعيدًا عن الأضواء.

ويمارسون مهامهم بأعلى درجات التحكم والدقة، إدراكًا منهم لخصوصية المهمة وحساسية نتائجها المحتملة.

في السودان، يقود هذه المهمة الخاصة جهاز المخابرات العامة، بوصفه أحد أعمدة الدولة في معركة الوجود والسيادة.

ويأتي على رأس هذا الجهاز الفريق أول أمن أحمد إبراهيم مفضل، بمعاونة فريق من المساعدين والنواب ذوي الخبرة الطويلة.

هذا الفريق يدير واحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا في معركة الكرامة، وهي الجبهة الخارجية غير المرئية.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب 90% من الانتصارات الخارجية في معركة الكرامة تحققت عبر دبلوماسية الخيار الصامت.

وهو ما يعكس حجم الدور الذي لعبته أجهزة المخابرات في تحييد الضغوط وكسر العزلة وبناء مساحات للحركة السياسية.

فأجهزة المخابرات في كل دول العالم تمسك بما يُعرف بالصندوق الأسود للدولة.

ومن داخل هذا الصندوق تُصاغ السيناريوهات، وتُعد المطابخ السياسية، وتُتخذ القرارات المصيرية.

غير أن كل ذلك يتم بهدوء تام، ومن دون ضوضاء إعلامية أو استعراض سياسي.

بعيدًا عن عدسات الكاميرات، تُدار أخطر الملفات وأكثرها تأثيرًا في مصير الدول.

وفي زمن الحرب، تصبح دبلوماسية المخابرات خط الدفاع الأول عن الدولة في الخارج.

وهي السلاح الذي لا يُرى، لكنه يُصيب بدقة، ويُغيّر مسار الأحداث.

وبينما ينشغل الرأي العام بما يظهر على السطح، تواصل دبلوماسية الظل عملها بصمت.
صمتٌ قد يكون في كثير من الأحيان أعلى أثرًا من ألف خطاب، وأكثر حسمًا من مئة بيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى