
قرار والي الخرطوم في الاتجاه الصحيح… وضبط للسلوك العام في زمن الحرب
بقلم :إدريس هشابه
أصدر والي ولاية الخرطوم قرارًا بمنع احتفالات رأس السنة أو أي شكل من أشكال التجمعات، وهو قرار إيجابي يستحق الإشادة، لا بوصفه إجراءً عابرًا مرتبطًا بزمن الاحتفال فقط، بل باعتباره خطوة ضرورية ينبغي أن تستمر حتى نهاية الحرب، واستكمال تطهير ما تبقّى من مدن ولايات كردفان وإقليم دارفور.
فالبلاد لا تعيش ظرفًا طبيعيًا يسمح بالتجمعات والاحتفالات، بل تمر بحرب مفتوحة مع مليشيا غادرة لا تتوانى عن استغلال أي رخاوة أمنية، أو ثغرة اجتماعية، لتحقيق اختراق أو تنفيذ أعمال تخريبية. ومن هذا المنطلق، فإن خطورة مثل هذه الأنشطة لا تكمن فقط في ظاهرها، بل في ما تتيحه من فرص لتغلغل عناصر المليشيا أو خلاياها النائمة وسط التجمعات المدنية، تحت ستار الاحتفال أو الترفيه.
إلى جانب البُعد الأمني، يحمل القرار بعدًا اجتماعيًا لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة ضبط بوصلة السلوك العام، ومنع العودة إلى مربع الفوضى الاجتماعية التي ترسخت خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في الجلوس العشوائي والتسكع في الجنبات، وأماكن بائعات الشاي والقهوة، ومواقع انتشار الشيشة ومشتقاتها، وهي ظواهر تمددت خارج إطارها الطبيعي، وأصبحت عبئًا أمنيًا وأخلاقيًا وسلوكيًا على المجتمع.
قد يقول قائل إن شريحة بائعات الشاي والمشروبات الساخنة شريحة واسعة، دفعتها ظروف اقتصادية قاهرة إلى هذا النوع من العمل، وهو حديث صحيح من حيث الأصل، لكن معالجة الواقع لا تكون بتجاهل مخاطره. فالمصلحة العامة تقتضي تنظيم هذه الظاهرة، لا تركها سائبة بلا ضوابط، خاصة في ظل الحرب. وهنا يبرز الدور الغائب لوزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية، التي يفترض أن تتحمّل مسؤوليتها في استيعاب هذه الشريحة ضمن بدائل إنسانية واقتصادية تحفظ كرامتهن، وتراعي في الوقت ذاته متطلبات الأمن القومي.
ولا يمكن إغفال ما كشفته الحرب بوضوح من أدوار سالبة مارستها بعض بائعات المشروبات في دعم المليشيا، سواء عن قصد أو جهل، عبر توفير المعلومات، أو الخدمات، أو التحركات، الأمر الذي يحتم التعامل مع الظاهرة بعين الدولة، لا بعاطفة المجتمع فقط.
إن معركة السودان اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي وانضباط وسلوك عام. والدولة التي تخوض حرب وجود، مطالبة بأن تُحكم قبضتها على تفاصيل المشهد، من الأمن إلى الشارع، ومن السلاح إلى السلوك. وقرار منع التجمعات ليس تقييدًا للحريات كما يحلو للبعض تصويره، بل هو حماية لها في زمن الاستباحة. فحين تنتصر الدولة، يعود الفرح منظمًا وآمنًا، لا فوضويًا ومكلفًا. وحتى ذلك الحين، يبقى الانضباط فعلًا وطنيًا، وتأجيل الاحتفال واجبًا تفرضه معركة الكرامة والبقاء.



