
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
أصدقاء السودان والاستجابة الإنسانية
وصول قوافل المساعدات إلى المعابر السودانية، سواء تلك التي دشنتها مفوضية العون الإنساني أو القافلة المصرية القادمة بالأمس عبر معبر أشكيت بمحلية وادي حلفا، أو المساعدات التي قدمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بولاية شمال كردفان، والمبادرة التركية عبر “مؤسسة قافلة الأمل” و”جمعية إغاثة الأيتام الأوروبية”، تعتبر خطوات تُظهر قدرة الدولة على إدارة الأزمة ضمن واجبها الإنساني والقانوني.
فالمساعدات المحمّلة بالمواد الغذائية والطبية تمثل إثبات واقعي على أن الدولة قادرة على حماية مواطنها حتى في المناطق التي تقع تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع، دون التفريط بسيادتها أو تفكيك منظومة الأمن الاجتماعي.
سياسيًا يرسخ قرار فتح المعابر لجميع المناطق، مبدأ أساسيًا في إدارة الأزمة: حماية المدنيين يجب أن تكون خارج أي اعتبار سياسي أو عسكري. هذا التوجه يقطع الطريق على أي محاولات لتسييس المعاناة ويضع الدولة في موقع قوة أخلاقية وقانونية، كما يعكس فهمًا استراتيجيًا إن استقرار المجتمع شرط مسبق لاستدامة أي مسار سياسي أو أمني.
ولا يقل عن هذا البعد الداخلي أهمية، الدور الإقليمي والدولي في دعم السودان. فإلى جانب المبادرة المصرية، تلعب السعودية دورًا واضحًا من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي وزّع 2,300 سلة غذائية للأسر ضمن مشروع دعم الأمن الغذائي للعام 2025م، مستهدفًا آلاف المستفيدين، كما تواصل قطر جهودها الإغاثية من خلال دعم مشاريع الإيواء والخدمات العلاجية، وتساهم المنظمات التركية مثل “مؤسسة قافلة الأمل” و”جمعية إغاثة الأيتام الأوروبية” في تقديم مساعدات لآلاف الأشخاص، في وقت يواجه فيه السودان أزمة إنسانية حادة تشمل نحو 25 مليون شخص، بينهم 14 مليون طفل، في ظل تفاقم انعدام الأمن الغذائي والمياه النظيفة والخدمات الصحية والنزوح القسري.
هذا التنسيق متعدد الأطراف يظهر قدرة السودان على استنهاض الشراكات الإقليمية والدولية وتحويل الأزمة الإنسانية إلى جسر للتعاون السياسي، ويضع معايير واضحة لكيفية إدارة التدخل الإنساني ضمن سيادة الدولة وبما يحفظ الشرعية والقانون الدولي الإنساني.
ويراهن السودان على أن تمتد الاستجابة الإنسانية لتشمل جميع الأصدقاء الإقليميين والدوليين، بحيث تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإظهار التضامن الفعلي مع الشعب السوداني ودعم مؤسساته في إدارة الأزمة كذلك يأمل السودانيون أن تتوسع المساهمات لتشمل توفير الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الطبية والمأوى للأسر النازحة والمتضررة، مع التركيز على حماية الأطفال والنساء والفئات الأكثر ضعفًا، وأن تتعهد الجهات الدولية بضمان استمرار التمويل والدعم الفني لمبادرات الدولة والمنظمات.
كما يتطلع السودان إلى تنسيق أكثر فعالية بين المانحين والمفوضية والمنظمات الإقليمية، بما يتيح استجابة أسرع وأكثر فعالية، ويحد من ازدواجية الجهود والفجوات الإنسانية، ويؤكد أن حماية المدنيين وإغاثتهم يجب أن تكون أولوية مطلقة، بعيدًا عن أي حسابات سياسية .
أيضآ يلعب العمل الطوعي المحلي دورًا مكملًا، حيث تظهر التجربة أن مفوضية العون الإنساني والمنظمات الوطنية التطوعية تلعب دورًا محوريًا في إدارة آثار النزوح وتخفيف التداعيات الاجتماعية للأزمة. ومع ذلك فإن ضعف التنسيق وتعدد مراكز القرار يحتم استحداث آليات وطنية موحدة، قادرة على تنظيم جهود الدولة والشركاء الإقليميين والدوليين، وتحويل العمل الإنساني إلى منصة لإعادة بناء الثقة واستدامة الرعاية.
في السياق وبحسب #وجه_الحقيقية تكشف هذه التجربة عن دلالة استراتيجية وتنموية واضحة: تأتي المبادرات الإنسانية من مصر والسعودية وقطر وتركيا بمثابة رافعة سياسية وأخلاقية تمكّن السودان من الحفاظ على سيادته وشرعيته، وتؤسس لشراكات إقليمية ودولية مستدامة. ومن هذا المنطلق، السعودية وقطر وتركيا ومصر يبتدرون المسارات الإنسانية، كإجراءات داعمة لمجهودات الحكومة السودانية للمبادرة والقيادة في إدارة الأزمات الإنسانية ضمن منظومة أخلاقية وسياسية متكاملة.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 4 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com



