رؤية خاصة بروفسير احمد عبيد حسن يكتب: الطاقة الشمسية للقطاع الصناعي: من القناعة إلى التنفيذ

رؤية خاصة
بروفسير احمد عبيد حسن يكتب:
الطاقة الشمسية للقطاع الصناعي: من القناعة إلى التنفيذ
في مقالي السابق عن الطاقة الشمسية ودورها في إعادة الحياة للمصانع السودانية، تواصل معي عدد مقدر من الصناعيين، ومع التفاعل الذي أعقب النشر، اتضح أن معظم التساؤلات لم تكن اعتراضًا على الفكرة، بل انعكاسًا لصعوبة تخيلها على أرض الواقع. هذا المقال يأتي استجابة لذلك التفاعل، ومحاولة لتقريب الفكرة من واقع المصانع اليومي.
إن الانتقال من القناعة إلى التنفيذ ما زال يواجه تساؤلات حقيقية. فبين الإقرار بأهمية الفكرة، وصعوبة تطبيقها في واقع صناعي مثقل بالتحديات، برزت الحاجة إلى استكمال الحديث.
لا أحد ينكر ان أزمة الكهرباء تتصدر شكاوى الصناعيين، في ظل محدودية التمويل وصعوبة الحلول التقليدية. وبين عجز الدولة عن إعادة تأهيل البنية التحتية بالسرعة المطلوبة، وتراجع قدرة أصحاب المصانع على تحمّل كلفة البدائل، نعود بالحديث مجددًا عن الطاقة الشمسية، لكن هذه المرة من زاوية أكثر عملية: كيف ننتقل من الفكرة إلى التطبيق؟
كل التساؤلات التي وصلتني كانت مشروعة، ولكنها في معظمها ناتجة عن فجوة معرفية أكثر من كونها عوائق حقيقية. فحين نتحدث عن أسطح المصانع، لا نقصد بالضرورة أسطح المباني الخرسانية فقط، بل كل المساحات المرتفعة أو المفتوحة داخل حرم المصنع التي تتعرض للشمس: أسطح الجملونات المعدنية، الهناجر، المظلات، مواقف العربات، والساحات غير المستغلة. هذه المساحات غالبًا ما تكون أكبر مما يتصور صاحب المصنع نفسه، لكنها لم تُنظر يومًا كأصول يمكن الاستثمار فيها.
كذلك، لا تعني الطاقة الشمسية إنشاء محطة معقدة أو تغيير خطوط الإنتاج. الفكرة أبسط من ذلك بكثير، فالنظام الشمسي يولد كهرباء تُغذّي لوحة المصنع الرئيسية، تمامًا كما تفعل الشبكة العامة أو المولد وهو ما توفره أنظمة الطاقة الشمسية الحديثة بكفاءة عالية.
الطاقة الشمسية إذن ليست مشروعًا هندسيًا معقدًا، بل قرارًا إداريًا واستثماريًا ذكيًا. هي انتقال من الاعتماد الكامل على حلول غير مستقرة، إلى بناء مصدر طاقة داخل أسوار المصنع نفسه. ومع تراكم التجارب، يمكن للمناطق الصناعية بأكملها أن تتحول إلى نماذج إنتاج مستدام، بل وأن تستفيد مستقبلًا من عوائد خفض الانبعاثات الكربونية.
وبالنظر الي واقع القطاع الصناعي والي التساؤلات التي وصلتني، نجد ان شريحة المصانع الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر ترددًا والأكثر تأثرًا بأزمة الكهرباء، وغالبًا ما تشعر أن الحديث عن الطاقة الشمسية موجه فقط للمصانع الكبيرة ذات المساحات الواسعة ورؤوس الأموال الضخمة، لكن الواقع مختلف تمامًا. في الحقيقة، هذه الفئة هي الأكثر استفادة من حلول الطاقة الشمسية، لأن اعتمادها على مولدات صغيرة أو شبكة كهرباء غير مستقرة يرفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير ويؤثر مباشرة على قدرتها التنافسية.
يمكن لهذه الفئة البدء بحلول بسيطة ومحددة، مثل تشغيل الإضاءة، أو ماكينات التعبئة، أو وحدات التبريد، أو جزء من خط الإنتاج خلال ساعات النهار. هذه الخطوة وحدها كفيلة بتقليل استهلاك الوقود وخفض المصروفات التشغيلية بشكل ملموس. كما أن المساحات المطلوبة لهذه الأنظمة ليست كبيرة، فقد تكون مساحة سطح صغيرة، أو جزء من هنجر، أو حتى مظلة فوق موقف عربات كافية لتركيب عدد محدود من الألواح الشمسية. ومع توفر أنظمة تمويل مرنة من الشركات المنفذة، يصبح القسط الشهري في كثير من الأحيان أقل من المبلغ الذي كان يُدفع سابقًا على الوقود أو صيانة المولد. هذا النهج يقلل الكلفة، ويمنح صاحب المصنع فرصة لرؤية النتائج عمليًا قبل التوسع.
وفيما يتعلق بالكلفة، يظل الخلط قائمًا بين “الكلفة الاستثمارية” والمصروف التشغيلي”. صحيح أن الطاقة الشمسية تحتاج إلى استثمار أولي، لكنه استثمار يُسترد خلال فترة قصيرة نسبيًا، خاصة إذا كان التشغيل خلال ساعات النهار حتى السادسة مساءً، حيث لا تكون هناك حاجة لبطاريات مكلفة. في المقابل، فإن ما يُدفع اليوم في الوقود، وصيانة المولدات، والمساهمات المتكررة لإعادة تشغيل الشبكات، هو استنزاف مستمر دون أفق واضح للاستقرار.
الأهم أن الواقع تغير، فشركات الطاقة الشمسية لم تعد تبيع ألواحًا فقط، بل تقدم حلولًا متكاملة تشمل الدراسة، والتنفيذ، والمتابعة، والضمان، مع تمويل آجل يصل إلى ثلاث سنوات، ودعم فني طويل الأمد قد يمتد إلى ثلاثين عامًا. بل إن الأنظمة الحديثة تُراقَب لحظيًا عبر تقنيات ذكية تكتشف الخلل قبل أن يشعر به المستخدم.
ولا تقتصر فوائد تبنّي أنظمة الطاقة الشمسية، ولو بشكل جزئي، على المصانع وحدها، بل تمتد لتخفيف العبء عن الهيئة القومية للكهرباء نفسها. فعندما تعتمد الوحدات الصناعية على جزء من احتياجاتها عبر الطاقة الشمسية، يقل الضغط على الشبكة العامة، مما يتيح توجيه الكهرباء المتاحة إلى قطاعات أكثر حساسية مثل القطاع السكني، والمدارس، والمستشفيات، ومرافق الخدمات الأساسية. هذا التوزيع الأكثر عدالة للطاقة يسهم في استقرار الإمداد الكهربائي على مستوى المجتمع ككل، ويمنح الدولة مساحة زمنية ومالية لإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء دون أن تكون مضطرة لتغطية كل الأحمال الصناعية في آن واحد. وبذلك تصبح الطاقة الشمسية خيارًا يخدم المصنع والاقتصاد الوطني في الوقت نفسه، ويحوّل الحل الفردي إلى مساهمة مباشرة في الصالح العام.
وفي هذا السياق، يمكن لاتحاد الغرف الصناعية أن يلعب دورًا حيويًا في تحويل الطاقة الشمسية من مبادرات فردية متفرقة إلى مشروع وطني منظم يخدم القطاع الصناعي ككل. فالاتحاد، بحكم موقعه التمثيلي وخبرته، قادر على تنسيق الجهود بين أصحاب المصانع وشركات الطاقة المتخصصة، والمساهمة في إعداد نماذج إرشادية مبسطة تساعد الصناعيين على فهم الخيارات المتاحة وتقدير احتياجاتهم الفعلية دون تعقيد تقني. كما يمكن للاتحاد أن يقود مبادرات جماعية للتفاوض مع مزودي الحلول والتمويل، بما يحقق أسعارًا أفضل وشروطًا أكثر مرونة، خاصة للمصانع الصغيرة والمتوسطة.
وإلى جانب ذلك، يستطيع الاتحاد أن يكون حلقة الوصل مع الجهات الحكومية والهيئة القومية للكهرباء، لتكامل الأدوار لا تعارضها، ولتهيئة الأطر التنظيمية التي تشجع الاعتماد الجزئي على الطاقة الشمسية. كما يمكنه دعم توثيق أثر هذه المبادرات على خفض الأحمال والانبعاثات، وفتح الباب مستقبلًا أمام الاستفادة من التمويل الأخضر وأسواق الكربون، بما يعود بالنفع المباشر على المناطق الصناعية والبنية التحتية فيها. بهذا الدور، يتحول الاتحاد إلى شريك فاعل في بناء نموذج طاقة مستدام يخدم الصناعة والاقتصاد الوطني معًا.
في النهاية، لا يدعو هذا الطرح إلى قفزات غير محسوبة أو حلول مثالية منفصلة عن الواقع، بل إلى إعادة ترتيب الأولويات والنظر إلى ما هو متاح بعين استثمارية لا استهلاكية. فالطاقة الشمسية ليست بديلًا فوريًا لكل الإشكالات، لكنها أداة عملية يمكن البدء بها خطوة خطوة، وبما يتناسب مع قدرات كل مصنع، صغيرًا كان أو كبيرًا.
إن تبنّي هذا الخيار، ولو جزئيًا، يوفّر استقرارًا تشغيليًا، ويخفف الضغط المالي على المدى المتوسط، ويسهم في دعم الشبكة القومية وخدمة المجتمع الأوسع. وبين الانتظار الطويل لحلول شاملة، واتخاذ قرار مدروس يبدأ اليوم، تظل الفرصة قائمة لتحويل التحدي إلى مسار مختلف، أكثر استدامة، وأكثر تحكمًا، وأكثر انسجامًا مع واقع الصناعة السودانية واحتياجاتها الفعلية.



