مقالات الرأي
أخر الأخبار

الخرطوم تعود… بين مشاهدات عبد الماجد واختبار الدولة بقلم إدريس دريس هشابه

الخرطوم تعود… بين مشاهدات عبد الماجد واختبار الدولة

بقلم :إدريس هشابه

ما أورده الاستاذ الصحفي عبد الماجد عبد الحميد في مقاله عن مشاهداته المباشرة لبرنامج عودة الوزارات الاتحادية واستئناف العمل من داخل العاصمة الخرطوم لا يمكن التعامل معه كمجرد انطباعات صحفية عابرة، بل يمثل شهادة ميدانية مهمة على واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسار الدولة السودانية خلال هذه الحرب.
عبد الماجد التقط جوهر المشهد: عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم ليست قرارًا إداريًا فحسب، بل فعل سيادي ورسالة سياسية مكتملة الدلالة، مضمونها أن العاصمة باقية، وأن مشروع تفريغها من الدولة قد فشل مهما طال أمد الحرب. هذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير حالة الترقب والرهبة والأمل التي رافقت اليوم الأول لاستئناف العمل.
ومن واقع المشاهدات الميدانية لليومين الأول والثاني، يمكن القول إن ما أشار إليه عبد الماجد من تفاوت في الجاهزية بين وزارة وأخرى هو توصيف دقيق للمرحلة الانتقالية التي تمر بها مؤسسات الدولة. فبين مؤسسات دخلت المشهد بكامل استعدادها الفني والإداري، وأخرى ما تزال أسيرة البطء والترتيبات غير المكتملة، تتجلى الحاجة الماسة لإدارة مركزية صارمة تقود هذا الانتقال الحساس.
في مجمع الوزارات، وداخل برج المعادن تحديدًا، برزت نماذج إيجابية أكدت أن الدولة ما زالت تمتلك القدرة على التنظيم والانضباط متى ما توفرت القيادة والحسم. وفي المقابل، كشفت مشاهد أخرى – كما أشار عبد الماجد بوضوح – عن اختلالات إدارية وتأخير غير مبرر في بعض المواقع، وهو أمر لا يحتمل المجاملة في معركة عنوانها استعادة الدولة وهيبتها.
الأهم في ما كتبه عبد الماجد أنه لم يتجاهل العنصر البشري، فعودة الموظفين والعاملين – رغم صعوبات السكن والترحيل والإعاشة – تعكس درجة عالية من الوعي الوطني والاستعداد للتضحية. غير أن هذا الاستعداد، إن لم يُقابل بقرارات عملية عاجلة تعالج هذه التحديات، قد يتحول إلى عبء نفسي ووظيفي يضعف زخم العودة بدل أن يعززه.
إن برنامج عودة الوزارات، كما رآه عبد الماجد وكما عكسته المشاهدات الميدانية، هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على المواءمة بين القرار السياسي ومتطلبات التنفيذ الواقعي. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل معركة إدارة، وخدمات، وانضباط مؤسسي.
وبرغم كل الملاحظات، تبقى الرسالة الأهم التي خرج بها عبد الماجد من قلب الخرطوم واضحة: العاصمة تتعافى، والدولة تعود خطوة خطوة، وما يحدث الآن – بكل نواقصه – هو انتصار سياسي ومعنوي كبير على المليشيا المتمردة وعلى كل المشاريع التي راهنت على انهيار الدولة السودانية.
نعم، العافية درجات، لكن التراجع الآن ليس خيارًا. المطلوب هو أخذ هذه الملاحظات مأخذ الجد، وتصحيح المسار دون تردد، والمضي قدمًا في نقل الحكومة بكامل طاقمها إلى الخرطوم، لأن في ذلك تثبيتًا لهيبة الدولة، وترسيخًا لسيادة القانون، وإعلانًا صريحًا بأن السودان وطن يُبنى بالتضحيات،
فالخرطوم ليست مجرد مدينة عادت إليها الوزارات… إنها الدولة حين تقرر أن تكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى