
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
الخرطوم تعود بالأمن والخدمات..
تبدأ عودة الخرطوم من حيث تبدأ الدولة، من الأمن، والخدمات ومن استعادة مركز القرار. فالعواصم لا تستعاد بالخطاب التعبوي، ولا تُبنى بالوعود والأماني ، بل بقدرة السلطة على فرض النظام والعمل من قلب الحدث. لذلك فإن تمديد مهام لجنة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة، بالتزامن مع عودة الوزارات، يمثلان معًا الإعلان السياسي الأكثر وضوحًا عن انتقال الدولة من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة الحكم .
فقد ظل الأمن يُقدَّم كإجراء استثنائي يعبر عن إعادة تأسيس سلطة الدولة. التشديد على حمل الوثائق الثبوتية، وتنظيم الوجود الأجنبي، وإزالة الحيازات غير القانونية، وفحص المركبات، واللجان الإجتماعية والاقتصادية هي أدوات سياسية، تعيد رسم الخدمة المدنية بعد أن تشظّت بفعل الحرب. الدولة، عبر هذه الإجراءات تستعيد حقها في تعريف السيادة والشرعية، وتغلق المساحات الرمادية التي تمددت فيها الفوضى. هذه لحظة فاصلة تُعلن فيها السلطة نهاية زمن التساهل ، وبداية زمن سيادة حكم القانون ووحدة النسيج الاجتماعي .
بموازاة ذلك تحمل عودة الوزارات إلى الخرطوم دلالة مهمة . فالدولة التي تدير شؤونها من خارج عاصمتها تظل، في التحليل السياسي، دولة ناقصة الحضور ومحدودة الفاعلية. انتظام العمل من مجمع الوزارات، وارتفاع نسب حضور العاملين لا سيما في الوزارات ذات الطابع الخدمي، يعني أن مركز القرار عاد إلى العاصمة القومية الخرطوم.
عودة رئيس الوزراء المرتقبة مطلع الأسبوع القادم لمباشرة عمله من الخرطوم، استكمالًا لانتقال الثقل السياسي إلى عاصمة الدولة، وإعادة وصل القرار الوطني بالواقع الاجتماعي والخدمي والأمني المباشر.
وفقًا لذلك يتحول الأمن إلى شرط ملزم لعودة السياسة والإدارة. فبغير الاستقرار، لا يمكن الحديث عن تخطيط تنموي، ولا عن خدمات، ولا عن عقد اجتماعي جديد. غير أن الدولة، وهي تعيد فرض النظام، تدرك أن الأمن وحده لا يصنع الشرعية. لذلك يتقدم مسار الخدمات بوصفه الامتحان الحقيقي لصدقية العودة. عودة “معمل استاك” ، وتدشين مشروع “شريان الحياة”، ومستشفي حاج الصافي وبحري تمثل استعادة الدولة لوظيفتها الأسمى: حماية الحياة. في بلد أنهكته الحرب، يصبح الجسد الإنساني معيار الحكم على جدوى الدولة، وكل خدمة صحية مستقرة هي استعادة للثقة.
التحول اللافت في هذا المسار لا يكمن في افتتاح المرافق، بل في الاتجاه نحو التقنين والحوكمة. إدخال التقنيات الحديثة، والرقمنة ، والسعي لإجازة قانون خدمات نقل الدم، والهوية الرقمية ، يعكس انتقالًا من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق البناء المؤسسي. الأمر ذاته ينسحب على إعادة تأهيل المستشفيات المرجعية، مثل مستشفى احمد قاسم ، في محاولة واعية لإعادة توزيع الثقل الصحي داخل العاصمة، وتعويض الفجوات التي خلّفها خروج مستشفيات كبرى عن الخدمة. هذه محاولة جادة لإعادة بناء وظيفة “المركز” التي فقدتها الخرطوم خلال الحرب المخزية.
ويظل ملف الكهرباء هو المحك الأكثر تحديا لهذه العودة. إكمال منظومة الصيانة وإعادة تركيب الخطوط والمحولات والمفاتيح بجانب مشروع كهرباء مربعات الفتح لا يُقرأ كخدمة فحسب، بل كشرط للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فالكهرباء سياسيًا هي البنية التحتية للأمن ، من دونها لا عودة سكانية واسعة، ولا نشاط اقتصادي، ولا حياة مدنية مستقرة.
إعادة تشكيل اللجان في كافة المرافق العامة وعودة العاملين ، ومراجعة العقود، وتحديث البيانات المالية، تشير إلى إدراك متأخر لكنه حاسم بأن معركة ما بعد الحرب هي معركة إدارة وكفاءة، لا مجرد حشد موارد.
وفي موازاة استعادة السلم الاهلي والخدمات، تتحرك الدولة في فضاء الثقافة. صيانة المسرح القومي و ودار الوثائق وإعادة افتتاح مسرح خضر بشير تعكس فهمًا عميقًا بأن التعافي لا يكتمل من دون إعادة بناء الوجدان العام. الثقافة هنا ، أداة سياسية ناعمة وذكية تعيد الإنسان السوداني إلى قلب الدولة، وتواجه آثار العنف بلغة الحوار والإبداع. عودة المسرح تعني عودة الحياة المدنية التي غابت طويلًا تحت ضغط السلاح والخوف.
إن عودة الخرطوم اليوم ليست عودة متعجلة، بل مسارًا سياسيًا وأمنيًا وخدميًا يتشكل بثبات لإعادة بناء الدولة من عاصمتها. بسط الأمن، وانتظام المؤسسات، وتحسن الخدمات الأساسية، وعودة الحياة الثقافية، كلها مؤشرات على أن المدينة تتعافي و تستعيد شروط العيش الكريم والعمل المنتج . هذه العودة لا تطلب من المواطنين أكثر من الثقة في القيادة ودعمها كذلك علي القيادة، بذل مزيدا من الجهد بدءا بالإعلان عن الرؤية المتعلقة بهندسة قلب الخرطوم و شاطي النيل . الخرطوم تفتح أبوابها لأبنائها لتعود مدينة تُدار بالقانون، وتُصان فيها الكرامة، ويُبنى مستقبلها بسواعد أهلها، خطوةً خطوة، وبوعيٍ صبور منتبه مستفيدا من دروس الحرب.
بحسب #وجه_الحقيقة تعود الخرطوم باعتبارها اختبار الدولة الأكبر. تعود أولًا بالأمن لاستعادة السيادة، وبعودة الوزارات لاستعادة مركز القرار، ثم بالخدمات لترسيخ الشرعية، وبالثقافة لترميم المعاني والقيم . إنها عودة محفوفة بالتحديات، لكنها تحمل، إن أُحسن إدارتها، إمكانية التحول من عاصمة خرجت من الحرب إلى عاصمة تؤسس لمرحلة دولة أكثر وعيًا بقضاياها المصيرية.
دمتم بخير وعافية .
الثلاثاء 6 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com


