
خطة الإعمار بين الطموح السياسي واختبار التنفيذ
إدريس هشابه
تسلم عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر الخطة الاستراتيجية العشرية (2026–2036) لإعادة الإعمار والتعافي بولاية الخرطوم يعتبر خطوة إيجابية تضاف إلى رصيد والي الخرطوم المرصع بالإنجازات وفي تقديري أن والي الخرطوم هو في صدارة أبطال معركة الكرامة في كبنية الجهاز التنفيذي بلا منافس ولعل حدث تسلم الخطة لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إدارياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً سياسياً على انتقال الدولة – ولو تدريجياً – من إدارة آثار الحرب إلى التفكير المنهجي في مرحلة ما بعدها.
الحدث في جوهره يحمل دلالتين متوازيتين: الأولى اعتراف رسمي بحجم الدمار الذي أصاب العاصمة، والثانية إقرار بأن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر حلول إسعافية أو قرارات جزئية، بل تتطلب رؤية طويلة المدى، تستند إلى التخطيط العلمي وتعدد مصادر التمويل والشراكة مع المجتمع.
من الناحية السياسية، يبرز حرص عضو مجلس السيادة على ربط الخطة بتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم، وهو ربط بالغ الأهمية، إذ يعكس إدراكاً بأن عودة المؤسسات والمواطنين لا يمكن أن تُفرض إدارياً، وإنما تُبنى عبر توفير الحد الأدنى من الخدمات، والأمان الاقتصادي، والبنية التحتية القادرة على استيعاب الحياة من جديد.
كما أن حديث الفريق إبراهيم جابر عن مرونة الخطة وتعدد مصادر التمويل، يحمل رسالة واقعية تتجاوز الخطاب التقليدي، مفادها أن الدولة لم تعد قادرة – أو راغبة – في الاعتماد على الخزانة العامة وحدها، وأن مرحلة الإعمار تستدعي انفتاحاً على التمويل المحلي والدولي، وعلى شراكات إنتاجية حقيقية، لا تقتصر على المنح أو الدعم المؤقت.
اقتصادياً، فإن التركيز على النقل، والتعليم، والصرف الصحي، وإدارة النفايات، يعكس فهماً صحيحاً لأولويات التعافي، إذ لا يمكن الحديث عن عاصمة فاعلة دون منظومة نقل حديثة، ولا عن استقرار اجتماعي دون تعليم، ولا عن بيئة جاذبة للاستثمار دون بنية خدمية أساسية. غير أن هذا الطرح، على وجاهته، يظل مرهوناً بتحويل الأولويات المكتوبة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، لا إلى عناوين إنشائية تتآكل مع الزمن.
أما الإشارة إلى استخدام التقانة في ضبط الكتلة النقدية ومحاربة الاقتصاد الموازي، فهي تمثل أحد أكثر محاور الخطة حساسية، لأنها تمس جوهر الأزمة الاقتصادية في السودان، حيث ظلت الموارد تُهدر خارج النظام الرسمي، وتتعطل معها قدرة الدولة على التخطيط والرقابة. النجاح في هذا المسار لا يتطلب أدوات تقنية فحسب، بل إرادة سياسية صلبة، وقدرة على مواجهة شبكات المصالح التي تغذت طويلاً على الفوضى.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن التحدي الحقيقي للخطة لا يكمن في سلامة تصميمها، بقدر ما يكمن في بيئة التنفيذ. فالحرب لم تنتهِ بعد بصورة كاملة، والموارد شحيحة، والثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ما تزال هشّة. ولذلك فإن إشراك المجتمع، والخبراء، والجامعات – كما دعا الفريق إبراهيم جابر – ليس ترفاً، بل شرطاً أساسياً لإضفاء المصداقية وضمان الرقابة المجتمعية.
في المحصلة، تمثل الخطة الاستراتيجية لإعادة إعمار الخرطوم خطوة مهمة على مستوى التفكير السياسي والاقتصادي، لكنها تضع الدولة أمام اختبار جدي: إما أن تتحول إلى نموذج عملي لإعادة بناء ما دمرته الحرب، أو أن تُضاف إلى أرشيف الخطط التي أحسنت التشخيص وأخفقت في التنفيذ. وبين هذين المسارين، ستُقاس جدية المرحلة المقبلة، وقدرة السلطة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة التعافي.



