مقالات الرأي
أخر الأخبار

حرب السودان… من تمرد داخلي إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح بقلم إدريس هشابه

حرب السودان… من تمرد داخلي إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح

بقلم إدريس هشابه

دخلت حرب السودان طورًا جديدًا يتجاوز توصيفها كصراع داخلي على السلطة كما كانت يسميها الإعلام الدولي صاحب الاجندة الخبيثة، لتغدو أزمة مركبة ذات أبعاد إقليمية ودولية، تهدد الأمن والسلم في محيطها المباشر، وتكشف بوضوح حجم التدخلات الخارجية وأجنداتها. فالحرب التي أشعلتها مليشيا آل دقلو الإرهابية في الخامس عشر من أبريل لم تعد مجرد تمرد مسلح، بل تحولت إلى بؤرة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، واختبار الإرادات في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة التوازنات.
اللافت في هذا التحول أن بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها مشيخة أبوظبي، ما زالت تحاول التستر خلف خطاب مكرور يصف ما يجري في السودان بأنه “شأن داخلي”، في الوقت الذي تتدفق فيه مليارات الدولارات لتمويل وتسليح المليشيا، وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي لها، والتنسيق مع قوى سياسية سودانية اختارت موقع التواطؤ على حساب الدولة والمجتمع. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة لم يعد خافيًا، بل بات مكشوفًا للرأي العام الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، تبرز الدعوات المتكررة لما يسمى بـ“الهدنة الإنسانية” بوصفها أداة سياسية لا إنسانية في جوهرها. فهذه الدعوات، في توقيتها ومضامينها، لا تستهدف حماية المدنيين بقدر ما تسعى إلى إطالة أمد الحرب، ومنح المليشيا فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة التموضع، وإدخال مزيد من الأسلحة والمرتزقة ومنظومات التشويش، تمهيدًا لصناعة واقع قسري جديد يفرض نفسه على طاولة التفاوض. وهو واقع يُراد له أن يضمن بقاء المليشيا وحلفائها في المشهد العسكري والسياسي، تمهيدًا لتنفيذ مخطط أوسع يستهدف موارد السودان ووحدته، ويخدم أجندات تقسيم الدول وإعادة رسم الخرائط.
في المقابل، شهدت مواقف دول محورية في الإقليم، وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، تحولًا واضحًا نحو العلنية والحدة في التعاطي مع هذا الملف. فقد أصبح دعم حكومة السودان ومؤسسات الدولة الشرعية موقفًا معلنًا لا لبس فيه، باعتبار أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم. وتأتي القوات المسلحة السودانية في صدارة هذه المؤسسات، بوصفها العمود الفقري للدولة الوطنية، وحصنها الأخير في مواجهة مشروع الفوضى. وليس تصريح وزير الخارجية المصري الأخير سوى تأكيد عملي على هذا التوجه، وإشارة إلى دخول المواجهة السياسية مرحلة أكثر وضوحًا وصلابة.
كل المؤشرات على الأرض وفي الإقليم توحي بأن ميزان الصراع يتجه إلى نقطة فاصلة. فعودة الحكومة إلى مقرها في العاصمة القومية الخرطوم تحمل دلالات سياسية ومعنوية عميقة، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة باقية، وأن مشروع اختطافها قد فشل. كما أن تزايد وعي السودانيين بحقيقة هذه الحرب، وبأهدافها العميقة التي تتجاوز الشعارات الزائفة، أسهم في إعادة تعريف المعركة باعتبارها معركة وجود وسيادة، لا مجرد خلاف على السلطة.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: إما دولة ذات سيادة تقرر مصيرها بإرادة شعبها ومؤسساتها، أو ساحة مستباحة لمشاريع الهيمنة وتقاسم النفوذ. وما بين هذا وذاك، تتقدم الحقيقة عارية من الأقنعة، وتنكشف الأدوار، وتُختبر المواقف. الأيام القادمة حبلى بالتحولات، وقد تكون قاسية على المليشيا ومن يقف خلفها، لكنها في المقابل قد تفتح أفقًا جديدًا لوطن دفع ثمنًا باهظًا ليبقى موحدًا، عصيًا على الانكسار، وقادرًا على النهوض من تحت وأكثر وعيًا وصلابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى