
النرجسية الإدارية (الأنا) في الخدمة المدنية
بقلم: إدريس هشابه
في مؤسسات الخدمة المدنية السودانية، لا تمثل الحروب اختبارًا للقدرة على الصمود الإداري ، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى كاشف أخلاقي ومهني يعرّي البُنى الهشة، ويُسقط الأقنعة عن شخصيات ظلت لعقود تتخفى خلف الشعارات والمناصب. من بين أخطر هذه الظواهر تبرز الشخصية النرجسية بوصفها إحدى أكبر إعاقات العمل المؤسسي، لما تحدثه من تشوه في الأداء، واختلال في منظومة القيم المهنية.
النرجسي في بيئة العمل لا يعيش إلا على الثناء، ولا يتحرك إلا داخل دائرة الضوء. يستهلك وقت المؤسسة ومواردها في تلميع ذاته، ويقدّم نفسه باعتباره محور الإنجاز وصاحب الفضل الأوحد، بينما يُدفع العمل الحقيقي إلى الهامش. يدّعي الحرص على المؤسسة، لكنه في الواقع وفيّ لأجندته الخاصة، لا للمصلحة العامة ولا للرسالة الوظيفية.
الأخطر أن كثيرًا من هذه النماذج تسللت إلى مؤسسات الخدمة المدنية من خارج التخصصات المطلوبة، بعد أن فشلت في تحقيق أي نجاح يُذكر في مجالاتها الأصلية. وبدلًا من الاعتراف بعجزها، لجأت إلى أساليب التنمر الإداري، وتهميش أصحاب الكفاءة والعلم، وتحويل بيئة العمل إلى ساحة صراع نفسي لا علاقة لها بالإنتاج أو الخدمة العامة.
هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ. فقد تفاقمت في السودان بفعل نظم سياسية متعاقبة كافأت الولاء على حساب الكفاءة، وفتحت الطريق أمام الانتهازيين والنرجسيين للصعود عبر مهارات التلون لا عبر الجدارة. لذلك نراهم يسيرون دائمًا مع التيار، ويعيدون صياغة خطابهم ومواقفهم وفق النظام السياسي القائم وتوجهاته، دون أدنى التزام بمبادئ ثابتة أو قيم مهنية.
وفي التاريخ الإنساني نماذج صارخة للنرجسية في السلطة والإدارة، لعل أبرزها فرعون حين قال: «ما أريكم إلا ما أرى»، في تعبير مكثف عن احتكار الحقيقة وإلغاء الآخر. وهي ذات الذهنية التي تحكم سلوك النرجسي الإداري المعاصر؛ إذ يرى نفسه معيار الصواب، ويعتبر كل اختلاف تهديدًا، وكل نقد استهدافًا شخصيًا.
والحرب الحالية، بكل قسوتها، أدت دور “الاختبار العاري”. فقد كشفت هشاشة كثير من “الأصنام الوهمية” التي كانت تُقدَّم كقيادات وخبرات نادرة، وأسقطت أسماء ظلت تعيش على الضجيج لا الفعل، وعلى الخطاب لا الإنجاز. في لحظات الشدة، يتراجع الاستعراض، ولا يبقى في الميدان إلا من يمتلك المعرفة، والقدرة، والاستعداد لتحمّل المسؤولية.
إن إصلاح الخدمة المدنية السودانية لا يمر فقط عبر القوانين والهياكل، بل عبر مواجهة صريحة مع ثقافة النرجسية الإدارية. ثقافة لا تعترف بالعمل الجماعي، ولا تؤمن بالمؤسسية، وتتعامل مع الدولة كمسرح شخصي. فالدولة لا تُبنى بالمنابر العالية ولا بالألقاب الفضفاضة، بل بالكفاءة الصامتة، وبأصحاب العلم الذين يعملون دون حاجة إلى تصفيق.
ولعل أبسط اختبار للنرجسية أن يسأل المرء نفسه: حين تكون مكروهًا ومحل خلاف دائم مع معظم زملائك، فالمشكلة – في الغالب – ليست في الجميع، بل فيك أنت. المراجعة الذاتية ليست ضعفًا، بل شرط أساسي لأي قيادة حقيقية.
ما بعد الحرب يجب أن يكون زمن غربلة حقيقية: إعادة الاعتبار للتخصص، حماية المهنيين من التنمر الإداري، وتجفيف البيئة التي تتغذى فيها “الأنا”. فالمؤسسات التي تهيمن عليها النرجسية لا تنتج دولة، بل تعيد إنتاج الفشل… بأسماء جديدة.



