مقالات الرأي
أخر الأخبار

تاركو للطيران.. حين يصبح التحليق فعلَ سيادة ومقاومة بقلم :إدريس هشابه محمد

تاركو للطيران.. حين يصبح التحليق فعلَ سيادة ومقاومة

بقلم :إدريس هشابه محمد

في زمنٍ تتراجع فيه المؤسسات أمام الخطر، وتختار فيه كثير من الشركات الانكفاء اتقاءً للمجازفة، برزت شركة تاركو للطيران بوصفها حالة استثنائية، لا في قطاع الطيران وحده، بل في مشهد الدولة السودانية ككل، وهي تواجه واحدة من أعقد وأقسى حروبها المعاصرة.
حين أُغلقت الأجواء معنويًا قبل أن تُغلق فعليًا، وتوقفت شركات طيران إقليمية ودولية عن التحليق إلى السودان، مفضلة السلامة التجارية على الواجب الأخلاقي، قررت تاركو أن تسبح عكس التيار. لم تتوارَ عن السماء، ولم تلوذ بالصمت، بل اختارت أن تظل في الجو، شاهدة على أن السودان، رغم الحرب، لا يزال دولة قائمة، تنبض بالحياة وتؤدي أدوارها.
أن تُسيّر شركة وطنية رحلات إلى نحو إحدى عشرة وجهة في ظل حرب شعواء، ليس أمرًا عاديًا ولا قرارًا حسابيًا بحتًا. إنه موقف، ورسالة، وتحدٍّ لا يقل في رمزيته عن ما يقدمه الجنود على الأرض دفاعًا عن الوطن ومنع اختطافه. فالمعركة ليست بالسلاح وحده؛ بل بالاقتصاد، وبالخدمات، وبالإبقاء على شرايين الدولة مفتوحة.
لم تكن طائرات تاركو تحمل ركابًا فقط، بل حملت الأدوية، والمستلزمات الحياتية، والآمال المعلقة على التواصل مع العالم الخارجي. كانت جسرًا بين السودانيين في الداخل والخارج، وشريانًا حيويًا في جسد وطن أُريد له أن يُعزل ويُخنق. وفي كل رحلة، كانت هناك شهادة عملية بأن الحرب، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تلغي الدولة ولا أن تُسقط إرادتها.
أهمية ما قامت به تاركو لا تُقاس بلغة الأرباح والخسائر وحدها، بل تُقرأ في سياقها السياسي والاقتصادي والرمزي. فاستمرار الطيران يعني استمرار الحركة، واستمرار الحركة يعني أن الدولة لم تتوقف، وأن مشروع الفوضى الذي تسعى إليه المليشيا المتمردة، المدعومة بأجندات خارجية، لم ينجح في شلّ الحياة بالكامل.
لقد بعثت تاركو برسالة بليغة إلى العالم: هنا بلد اسمه السودان، يتعرض لحرب، نعم، لكنه لم ينهَر، ولم يختفِ من الخارطة. ما زالت مطاراته تعمل، وما زالت طائراته تقلع وتهبط، وما زال شعبه يتشبث بالحياة رغم كل شيء.
في لحظات التاريخ الفارقة، تُعاد صياغة مفهوم الوطنية. أحيانًا يكون الوطن في الخندق، وأحيانًا يكون في قمرة القيادة، على ارتفاع آلاف الأقدام، حيث يتحول التحليق إلى فعل سيادة، وتغدو الرحلة الجوية موقفًا وطنيًا مكتمل الأركان.
هكذا كانت تاركو للطيران: أكثر من شركة، وأبعد من ناقل جوي؛ كانت أحد ممسكات الاقتصاد، وركنًا من أركان الدولة في زمن الحرب، ودليلًا على أن المعركة من أجل السودان تُخاض في كل الساحات… حتى في السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى