
ختامه مسك… حين عاد التاريخ إلى حضنه
بورتسودان/ حياة حمد اليونسابي
لم يكن الاحتفال مجرد منصة وخطابات، ولا صفًّا أنيقًا من القطع الأثرية المستعادة، بل كان مشهدًا كثيف الدلالة، كأنّ السودان قرر أن يتحدث عن نفسه بصوته العميق، لا عبر الأخبار العاجلة، بل عبر الذاكرة.
تحت شعار «ختامه مسك»، احتفلت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة، باسترداد 570 قطعة أثرية، في لحظةٍ تشبه وضع النقطة الأخيرة في سطرٍ طويل كُتب بالصبر والانتظار. لم يكن الشعار زينة لغوية، بل تعبيرًا صادقًا عن ختام مرحلة في مدينة بورتسودان، وبداية عودة واعية إلى العاصمة القومية الخرطوم، حيث يجب أن تستقر الذاكرة الوطنية في قلبها الطبيعي.
اللافت في المشهد أنّ الحضور كان بحجم الرسالة: وزراء، ومسؤولون من مجلسي السيادة والوزراء، وأجهزة أمنية وعسكرية، وسفراء، ورؤساء بعثات دبلوماسية، ومنظمات دولية، وإعلاميون، وجمهور جاء ليشهد لحظة نادرة؛ لحظة انتصار الثقافة على التهريب، والمعنى على العبث.
هذه القطع الأثرية ليست حجارة صامتة، بل شواهد حياة، وأصابع زمنٍ قديم تركت بصماتها لتقول إن السودان لم يكن يومًا هامشًا في التاريخ، بل كان نصًا أصليًا فيه. واستردادها ليس إنجازًا إداريًا فحسب، بل فعل سيادي، يؤكد أن حماية التراث جزء من حماية الوطن نفسه.
في هذا الاحتفال، بدا واضحًا أن الثقافة حين تتكئ على الوعي، وتتحالف مع المؤسسات، تتحول من نشاطٍ ناعم إلى قوة صلبة. وهنا، كان «الختام مسكًا» فعلًا، لأن العطر الذي ملأ القاعة لم يكن عطر المناسبة، بل عطر استعادة الذات.



