مقالات الرأي
أخر الأخبار

جلال الجاك أدول منبر-الكلمة أبيي ليست ملفًا مؤجلًا… وإقالة رئيس الإشرافية باتت ضرورة

جلال الجاك أدول

منبر-الكلمة

أبيي ليست ملفًا مؤجلًا… وإقالة رئيس الإشرافية باتت ضرورة

ما يحدث في أبيي اليوم لا يمكن التعامل معه بوصفه تعثرًا عابرًا أو ظرفًا استثنائيًا يمكن تجاوزه بالصبر والانتظار. نحن أمام فشل إداري واضح، وفراغ مؤسسي خطير، يدفع ثمنه طلاب وأسر ومواطنون سودانيون كاملو الحقوق، لا ذنب لهم سوى أن مؤسساتهم تُدار بالغياب.
تأخر استخراج الوثائق الثبوتية لأبناء دينكا نقوك في السودان لم يعد مجرد خلل إجرائي، بل تحوّل إلى انتهاك صريح لحقوق أساسية، في مقدمتها الحق في التعليم. والسبب معلوم: عدم اكتمال تهيئة بيئة العمل، وتوقف الجهات المختصة عن أداء واجبها في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا.
الأخطر من ذلك هو ما يواجهه طلاب أبيي الجالسون لامتحانات الأساس والمتوسطة والثانوية. هؤلاء الطلاب يعيشون حالة قلق مفتوح، لا يعرفون إن كانوا سيُسمح لهم بالجلوس للامتحان، أو إن كان عامهم الدراسي سيتحول إلى ضحية جديدة للإهمال الإداري. ورغم لقاء تنسيقية أبناء أبيي بوزير التربية والتعليم، إلا أن غياب القرار التنفيذي الفاعل جعل الحلول المؤقتة تدور في حلقة مفرغة.
خلال لقائي بإحدى أسر الطلاب الممتحنين في الخرطوم، لم أسمع خطابًا سياسيًا، بل وجعًا صافيًا. أب يتساءل عن مصير ابنه الذي استعد لعام كامل، وأم تخشى أن يُغلق باب المستقبل في وجه ابنتها بسبب ورقة لم تُستخرج. هذه الأسر لا تطلب امتيازًا، بل تطالب بحقها كمواطنين سودانيين، يكفل لهم الدستور التعليم والهوية دون وصاية أو تأجيل.
وفي قلب هذه الأزمة يقف التوقف شبه الكامل لمؤسسات إشرافية أبيي، منذ سفر رئيس الإشرافية والإدارية إلى جمهورية مصر العربية في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي لقضاء فترة نقاهة. ومع كامل الاحترام للظروف الصحية، فإن إدارة مؤسسة بهذا الثقل والحساسية لا تحتمل الغياب الطويل دون تفويض واضح أو ترتيبات بديلة. استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولًا إداريًا ولا أخلاقيًا.
لقد أشرتُ في مقال سابق بوضوح إلى أن رئيس الإشرافية، بحكم هذا الغياب وتعطّل الملفات الحيوية، لم يعد مؤهلًا للاستمرار في هذا المنصب الحساس. واليوم أجد نفسي مضطرًا لتجديد هذا الموقف: إقالته لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة إدارية لحماية ما تبقى من ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ويزيد من حدة المفارقة أن صندوق تنمية أبيي واصل عمله، وسير قافلة دعم إلى ولاية شمال كردفان مساندةً للقوات المسلحة، في خطوة وطنية مقدّرة، لكنها كشفت في الوقت ذاته عجز بقية المؤسسات عن أداء أبسط واجباتها تجاه مواطنيها.
مواطنو أبيي ليسوا حالة رمادية، ولا رعايا مؤقتين، ولا ملفًا عالقًا بين الحدود. هم سودانيون، بحق المواطنة الكاملة، وبحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تُدار بالمزاج الإداري. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة أو الالتفاف حولها، هي مساهمة مباشرة في تعميق الإحساس بالغبن والتهميش.
إن استمرار الصمت الرسمي، وتأجيل القرارات، وترك مصير الطلاب معلقًا، هو شكل من أشكال الفشل الذي لا يمكن تبريره. أبيي لا تحتاج إلى وعود، بل إلى إدارة حاضرة، وقرارات شجاعة، تبدأ بإعادة ترتيب الإشرافية، ووضع مصلحة الطلاب والمواطنين فوق أي اعتبار.
فالمستقبل لا ينتظر، والتعليم لا يحتمل الفراغ، وكرامة المواطن السوداني لا تُدار من الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى