
تحرير الدلنج… حين تنجح الكماشة ويتقدّم الأمل
بقلم إدريس هشابه
يمثّل نجاح القوات المسلحة في فكّ حصار مدينة الدلنج، بعد أكثر من عامين من العزلة القاسية، خبرًا سعيدًا بكل المقاييس؛ إنسانيًا قبل أن يكون عسكريًا. فالحصار لم يكن مجرّد وضعٍ ميداني، بل عقابًا جماعيًا طال المدنيين، وقيّد حياتهم اليومية، وقطع عنهم الغذاء والدواء وحقهم الطبيعي في الأمان. ومع كسر هذا الطوق، تُفتح الطرق أمام دخول المواد الغذائية، وإخلاء الجرحى، واستعادة نبض الحياة لمدينة صبرت طويلًا.
الدلنج، مدينة “الطيّبين” كما يعرفها السودانيون، لم تكتسب سمعتها من فراغ. طيبة المعشر فيها امتداد لجمال الطبيعة التي تحتضنها، ولنموذجٍ متجذّر من التعايش السلمي بين مكوّناتها الاجتماعية. ولهذا كان الحصار استهدافًا لقيمٍ قبل أن يكون استهدافًا لمكان. اليوم، تعود الدلنج لتؤكّد أن المدن التي تتكئ على نسيج اجتماعي متماسك لا تُكسر بسهولة، وأن الصبر حين يُسند بالإرادة يتحوّل إلى قوة.
عسكريًا، يكشف تحرير الدلنج عن فاعلية استراتيجية الكماشة، وقدرتها على تفكيك بؤر الحصار وشلّ حركة الخصم، لا سيما في المناطق التي تراهن فيها المليشيا على العزل والضغط الطويل. فاالمليشيات الموجودة بين الدبيبات والحمّادي باتت أمام خيارات ضيّقة: الانسحاب تحت وطأة الضغط، أو انتظار مصيرٍ ميداني قاسٍ تفرضه معادلات الأرض. هذه ليست قراءةً انفعالية، بل خلاصة منطق الصراع حين تتغيّر موازين القوة وتُستعاد المبادرة.
لكن القيمة الأهم لهذا التطور لا تكمن في الخرائط وحدها، بل في ما تعنيه عودة الطريق والدواء والغذاء للمدنيين. تحرير الدلنج رسالة بأن استعادة المدن ليست غاية عسكرية فقط، بل واجب أخلاقي تجاه مواطنين صمدوا ودفعوا كلفة الحرب مضاعفة. وهي، في الوقت نفسه، إشارة سياسية بأن كسر الحصار ممكن، وأن الزمن الذي كانت فيه المليشيا تفرض وقائعها بالقوة آخذ في الانحسار.
تحرير الدلنج خطوةٌ على طريقٍ أطول، نعم، لكنه طريق يُرسم اليوم بإرادة أوضح ورؤية أكثر ثباتًا: حماية المدنيين من بطش مليشيا آل دقلو، استعادة الدولة، وإنهاء سياسة الحصار كأداة حرب. وبين هذا وذاك، تبقى الدلنج شاهدًا على أن المدن التي تُحاصر قد تتألم، لكنها لا تنكسر.



