مقالات الرأي

*المنبر ال 51 .. من قلب الوطن يُصيب المعنى ويصنع اليقين .. بقلم د. إسماعيل الحكيم*

*المنبر ال 51 .. من قلب الوطن يُصيب المعنى ويصنع اليقين .. بقلم د. إسماعيل الحكيم.*

Elhakeem.1973@gmail.com
أثبتت المنابر الإعلامية التي أقامتها وزارة الثقافة والإعلام ونظمتها وكالة السودان للأنباء سونا ببورتسودان ليست منصات خطاب، ولا مؤتمرات عابرة تُستنفد بانتهاء التصريحات، بل هي ـ حين تُحسن إدارتها ـ أدوات وعي، وجسور ثقة، وموازين تميل حيث تميل الحقيقة. وقد أكدت المنابر الإعلامية الخمسين التي أقامتها وزارة الثقافة والإعلام، خلال فترة الحرب في بورتسودان أنها كانت أكثر من مجرد واجهة رسمية ، فقد كانت لسان حال الدولة، وصوت البلد، ونافذة السودان المفتوحة على العالم، تُعرِّف بقضيته، وتشرح تعقيداته، وتعرض إنجازاته رغم لهيب المعركة وضيق الظروف.
هذه المنابر قامت على فلسفة بالغة النبل والوضوح: من حق الصحفي أن يسأل، ومن حق المسؤول أن يجيب، ومن حق المواطن أن يعرف.
وهي ثلاثية الحقوق التي إن استقامت، استقام معها الوعي العام، وانكسر الاحتكار، وتراجعت الشائعة، وسقط التضليل.
غير أن اكتمال الأثر، وتمام الرسالة، يظل مرهونًا بالمكان ، والمكان هنا ليس تفصيلًا جغرافيًا، بل معنى سيادياً ورمزاً وطنياً خالصاً .
لقد أدت بورتسودان دورها في لحظة الضرورة، وكانت عاصمة الاضطرار، لكن الخرطوم تظل عاصمة المعنى، ومسرح الرسائل الكبرى، وعنوان العودة التي يتجادل حولها المتشككون، ويضج الفضاء الأثيري بأصوات تستبعدها، أو تشكك في إمكانها، أو تُلبسها ثوب المستحيل. وقد كانت واقعاً معاشاً . وحقيقةً ماثلة .
كم تمنيت ـ وما زلت ـ أن يكون المنبر الإعلامي رقم (51) في ولاية الخرطوم، لا بوصفه رقمًا في سجل المنابر واللقاءات ، إنما باعتباره إعلانًا صريحًا أن الحياة تعود نبضاً حياً ، وأن الدولة حاضرة بغضها وغضيضها وأن ما يُبذل من جهد لإعادة تهيئة الخرطوم ليس عملًا خلف الكواليس، بل حق أصيل للمواطن أن يراه بالصورة والصوت معاً ، بلا مواربة ولا إنكار ، ويشهد عليه كل العالم .
المنبر الذي أرجو ..تكون قضيته المركزية: العودة… وما أدراك ما العودة. عودة لا تُقدَّم كشعار عاطفي، بل كحقائق، وخطط، ومراحل، وإجراءات، تُخرس الألسن التي ملأت الفضاء ضجيجًا، وتُسكت من قالوا إن الخرطوم انتهت، أو إن الحياة فيها باتت ضربًا من التمنّي.
منبر يُسمِع صوت الحكومة لمن لم يكن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. ويُعلي ـ قبل كل شيء ـ من الحقوق الثلاثة: حق الصحفي، وحق المواطن، وحق المسؤول، في معادلة شفافة تُعيد الثقة، وتزرع الطمأنينة، وتحوّل الشك إلى يقين… واليقين إلى استقرار… والاستقرار إلى نهضة وإعمار.
إن ما بُذل من جهد لإعادة الخرطوم إلى سابق عهدها ـ بل إلى ما هو أبهى ـ يجب أن يكون مِلكًا للمواطن وتحت سمع وبصر العالم ، لا يُدار في الظل، ولا يُختصر في بيانات، بل يُعرض على الملأ، لأن العودة حين تُرى تُصدَّق، وحين تُصدَّق تُعاش.
وأحسب ـ غير جازم ـ أن وزارة الثقافة والإعلام ستلتقط هذه الأمنية، وتحوّلها إلى واقع يتنزل منبراً حاشداً محشوداً عنوانه العريض:
«حبابكم عشرة بلا كشرة»
منبر لا يكتفي بالكلام عن العودة، بل يفتح الباب لها، وعندها فقط سيرتفع ترمومتر عودة المواطنين إلى الخرطوم سريعًا… طبيعيًا… واثقًا… كما يليق بعاصمة لا تموت، ووطن يعرف طريقه مهما طال الليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى