
*إتجاهات*
*بابكر بشير*
*الدلنج..*
*إلتقاء الجيش بالشعب بقلب يرفض الإنهزام*
في الحروب التي يتمسك أصحابها بالمكان، لا تُحسم المعارك بالعدد و المدد، و لا بالتحشيد و تدفق السلاح، بل كثيراً ما تفصل المعارك العزيمة وقوة الرجال.
في معارك جنوب كردفان، تبدو هذه الحقيقة أوضح من أي مسرح عمليات آخر في السودان. هنا المعارك مختلفة حيث جعل الجيش السوداني من جغرافيا الأرض، و عزيمة إنسانها قوة للإرادة و الإنتصار.
عامان ونصف و المنطقة تواجه أعاصير “مليشيا دقلو – الحلو” العاتية من حصار و قصف بالمدافع و المسيرات و تجويع بقصد كسر الإرادة، إرادة طالما لا تُلينها الحملات الدعائية المكثفة التي مارسها “المرجفون” على شاكلة “تسليم المدن تسليم مفتاح” سعياً لإحباط الروح المعنوية و قتلها، في كل تقدم عسكري “عملياتي” دقيقة لمتحرك الصياد.
جعلوا من الحصار، أداة ضغط نفسي وإنساني، لإنهاك المدنيين، وخلق حالة ضغط على القوات المسلحة المدافعة في الجبال، خاصة في مدينتي الدلنج و كادقلي، و هم لا يدركون بأن العرين مطوق بالأسود.
لم يكن دخول الجيش إلى مدينة الدلنج اليوم الأثنين ٢٦ يناير ٢٠٢٦م مجرد تحرك عسكري، و فك حصار طال أمده، بل يشكل لوحة شرف لجيش لا يعرف الإنكسار، و لحظة إنتصار لإرادة الشعب قبل أن يكون انتصاراً للبندقية.
“الدلنج” المدينة التي أرهقها القلق، وضيّق عليها الحصار أنفاسها، فتحت أبوابها لا لإستقبال قوة ظافرة بالنصر فحسب، بل لإستقبال الأمل نفسه وهو يمشي على أقدام الجنود، في لحظات اختلطت فيها دموع الأطفال بزغاريد الأمهات، و هم يلوّحون بأيدٍ صغيرة لا تدرك تفاصيل الحرب، لكنها تعرف أن وجوه القادمين ليست وجوه خوف.
لم يكن إلتحام الجيش “الصياد” بالمواطنين التحاماً عسكرياً، بل كان إلتحام مصير.
الجنود لم يكونوا غرباء في المدينة و هم يعبرون الشوارع، بل أبناء أرض يعودون إلى أهلهم، و هم يحملون عنهم المهالك و الخطر، ويشاركونهم الأوجاع و التعب، ويرسلون رسالةً مفادها لن تترك هذه المدينة وحدها.
فك الحصار لم يعني فقط كسر طوق عن المدينة، بل كسر شعور العزلة، وإعلان أن المدن في أطراف الألم ليست خارج حساب الوطن، وأن الإرادة حين تتماسك، تستطيع أن تصمد حتى يصل الفرج.
هكذا تُكتب لحظات التاريخ، حين يلتقي الجيش بالشعب، بقلب واحد يرفض أن يُهزم.



