الأخبار

*متى يُصبحُ العطاء عبادة*

*متى يُصبحُ العطاء عبادة ؟ بقلم د. إسماعيل الحكيم.*
Elhakeem.1973@gmail.com
إننا نعيش في وقتٍ انشغل فيه كثير من المسؤولين بإدارة الخطاب أكثر من إدارة المعاناة، ليخرج من بين ولاة الأمر من يذكّر الناس – بالفعل لا بالتصريح – أن السلطة تكليف لا تشريف، وأن الحكم إن لم ينحز للإنسان في زمن الضيق فقد سقط أخلاقيًا وإن بقي قائمًا إداريًا.
والي ولاية القضارف، بإعلانه توفير الحقيبة الرمضانية لكل العاملين للعام الثاني على التوالي، لم يقدّم معونة محدودة ، بل وجّه رسالة سياسية واضحة الدلالة ، الدولة لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تضعه في يد مواطنيها عند الشدائد. هذه الخطوة، في جوهرها، موقفٌ من معنى الحكم ذاته، وانحيازٌ صريح للفئات التي أنهكتها الحرب وسحقتها الأزمات.
إن القائد الذي يقف مع رعيته، ويتفقد أحوالهم، ويشعر بثقل الحياة على ظهورهم، هو وحده من يملك شرعية الصبر الذي يطالب به الناس. أما من يطالب بالثبات والتحمل وهو بعيد عن طوابير الغلاء، معزول عن واقع الراتب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فخطابه – مهما تزخرف – يبقى أجوف لا يسنده واقع.
لقد تمددت الحرب في السودان، واستطالت أيامها، حتى التهمت كل شيء ، الأمن، والاقتصاد، واستقرار الأسر، وكرامة العيش. لم تترك هذه الحرب موظفًا ولا عاملاً ولا أسرة إلا ومرّت عليها بثقلها، فاختنقت الحياة اليومية، وتحولت أبسط المتطلبات إلى معركة بقاء. وفي مثل هذا الواقع، يصبح الصمت الرسمي نوعًا من التواطؤ، ويغدو التقاعس مشاركة غير مباشرة في تعميق الألم.
من هنا، فإن مبادرة والي القضارف لا تُقرأ باعتبارها عملاً خيريًا محضاً ، إنما بوصفها تصحيحًا لمسار السلطة، وتذكيرًا بأن الدولة لا تزال قادرة – إن أرادت – أن تقف في صف مواطنيها. إنها تقول، بلا مواربة، إن المسؤول الذي لا يشعر بجوع وحاجة من حوله لا يملك الحق في الحديث عن الاستقرار.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ، لماذا لا تتحول مثل هذه المبادرات إلى نهج عام في بقية الولايات؟ ولماذا يُترك المواطن في مواجهة الغلاء والحرب وضعف الدخل وحده، بينما تُرفع شعارات الصبر دون أدواته؟ إن العدالة في زمن الأزمات لا تُقاس بالخطب، بل بالقرارات التي تمس حياة الناس مباشرة.
إننا نحيي والي ولاية القضارف، لا مجاملةً ولا تزيينًا، بل لأن موقفه يضع معيارًا يجب أن يُحاسَب عليه غيره. معيار القرب من الناس، وخفض الجناح لهم، والوقوف معهم لا عند حافة الصورة، بل في عمق المعاناة.
ففي زمن الانكسار، لا يخلّد التاريخ من جلسوا في القصور، بل من نزلوا إلى الناس، وحملوا معهم بعضًا من أعباء الحياة… حتى تتنزل الرحمة، ويعود الأمن، ويجد السلام طريقه إلى وطنٍ أنهكته الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى