
عندما تتجاوز التدخلات السياسية الخطوط الحمراء الدينية
يوسف حسن يكتب –
شهدت إيران خلال الشهر الماضي موجة من الاحتجاجات الشعبية على خلفية الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، في ظل ضغوط معيشية متزايدة وتداعيات عقوبات طويلة الأمد أثقلت كاهل المواطن الإيراني. هذه الاحتجاجات، في جوهرها، لم تكن حدثًا استثنائيًا بقدر ما كانت تعبيرًا عن مطالب اجتماعية واقتصادية باتت مألوفة في العديد من دول المنطقة.
غير أن مسار الأحداث سرعان ما انحرف مع دخول أطراف خارجية على الخط. وكما كان متوقعًا، أعلن كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب دعمهما العلني للمحتجين، إلا أن تصريحات ترامب تحديدًا تجاوزت حدود المواقف السياسية، حين دعا عبر حسابه الشخصي إلى السيطرة على المؤسسات الحكومية، في خطوة اعتبرها كثيرون تحريضًا مباشرًا على الفوضى والعنف وتدخلًا سافرًا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.
ومع تصاعد الأحداث، رافقت الاحتجاجات أعمال عنف واسعة، شملت سقوط قتلى وتخريب الممتلكات العامة، إضافة إلى حرق مساجد والاعتداء على رموز دينية مقدسة، من بينها نسخ من القرآن الكريم، على يد مجموعات خرجت بوضوح عن إطار المطالب الشعبية. ورغم ذلك، واصل ترامب خطاب التحريض، داعيًا الناس إلى البقاء في الشوارع ومطلقًا وعودًا غامضة بأن “الدعم قادم”.
إلا أن هذا المسار لم يستمر طويلًا، إذ سرعان ما تمايزت الغالبية الشعبية عن المجموعات التخريبية، ما أدى إلى انحسار التوتر وعودة الهدوء النسبي إلى الشوارع. وفي أعقاب ذلك، وصف المرشد الأعلى في إيران دونالد ترامب بالمجرم، معتبرًا أن دعواته تمثل تحريضًا على العنف ومحاولة انقلابية، وانتهاكًا واضحًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ردّ ترامب على هذا الموقف بتصعيد غير مسبوق في لهجته، إذ أطلق تهديدات مباشرة باغتيال المرشد الأعلى، وتحدث عن “محو إيران من الخريطة”، في تصريحات تتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية والقانونية، وتعكس منطق القوة بدل منطق القانون الدولي.
نحن، كأبناء للأمة العربية، تابعنا هذه التطورات بقلق بالغ. لا شك أن الحكومة الإيرانية تتحمل أخطاءً داخلية، وأن أزمتها الاقتصادية الخانقة هي، إلى حد كبير، نتيجة العقوبات الأمريكية وتجميد الأصول الإيرانية في الخارج. لكن التهديد باغتيال عالم ديني كبير يحظى باحترام ملايين المسلمين في العالم يشكل خطًا أحمر لا يجوز الصمت عنه، لأن تجاهله يفتح الباب أمام تداعيات خطيرة على مستوى المنطقة بأكملها.
فإذا كان هذا الخطاب العدائي يُستخدم اليوم ضد إيران، فلا ما يمنع أن يُعاد إنتاج السيناريو نفسه غدًا في مصر أو في أي بلد عربي أو إسلامي آخر. من هنا، تبرز مسؤولية المؤسسات الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، ويُنتظر من الأزهر الشريف أن يصدر بيانًا واضحًا وحازمًا يرفض فيه هذه التهديدات، دفاعًا عن حرمة العلماء، وصونًا لكرامة الأمة، وتأكيدًا على أن الخلافات السياسية لا تبرر استباحة الدم أو التطاول على الرموز الدينية.



