
هل فقد الإعلام بوصلته… عمرو أديب نموذجا!!
بقلم : إدريس هشابه
ليس أخطر على الوعي العام من إعلامي يملك المنصة ويفتقد البصيرة. فحين يتناول أحد أشهر الوجوه الإعلامية في المنطقة شأنًا سودانيًا بالغ الحساسية، بلغة ساخرة ومستخفة، فهو لا يخطئ فقط في التقدير، بل يسيء لمعنى الإعلام نفسه.
الاحتفاء السوداني بعودة حركة الطيران إلى مطار الخرطوم لم يكن مشهدًا بروتوكوليًا ولا خبرًا هامشيًا يُرمى بنبرة استعلاء. كان لحظة نفسية كثيفة الدلالة، تختصر سنوات من النزيف، وتعلن – ولو بهدوء – أن الحياة تملك عنادًا أكبر من الخراب. من ينظر إلى هذه اللحظة بعين التهكم، إنما ينظر من خارج الألم، ومن خارج المعنى.
الإعلام المحترف لا يُقاس بحدة السخرية ولا بخفة التعليق، بل بقدرته على ملامسة الوجدان الإنساني واحترام سياقات الشعوب. والسودان، الذي عاش واحدة من أعقد المآسي في تاريخه الحديث، لا يحتاج إلى “تصريح فرح” من استوديوهات بعيدة، ولا إلى تقييم فوقي لمعاناته الطويلة.
ما صدر عن عمرو أديب – وغيره من إعلاميي التبسيط – يعكس فجوة خطيرة بين الشاشات والواقع، وبين الضجيج الإعلامي وحقيقة ما يمر به ملايين المدنيين. فالحديث عن بلد أنهكته الحرب لا يجوز أن يُختزل في نكتة، ولا أن يُدار بعقلية التريند والتقليل من شأن الرموز المعنوية التي يتشبث بها الناس ليستمروا.
الأكثر إيلامًا أن هذا الخطاب يأتي تجاه دولة لم تكن يومًا على هامش التاريخ المصري، بل كانت – ولا تزال – عمقًا استراتيجيًا وجغرافيًا، وشريكًا في المصير، وسندًا حاضرًا في لحظات مفصلية من تاريخ الصراع العربي. السودان لم يتأخر يومًا عن مصر حين استدعت المواقف ثمنًا، ولم يساوم في قضايا تمس الكرامة القومية.
من هنا، فإن الاستخفاف بالسودان ليس فقط إساءة لشعب، بل قصور في فهم معادلات المنطقة، وتغافل عن حقيقة أن استقرار وادي النيل كلٌ لا يتجزأ. من يعتقد أن النار يمكن أن تُحاصر في حدود دولة واحدة، إما ساذج أو متواطئ. فالعبث بأمن السودان ارتدادُه حتمي، ومحاولات تشويه وعيه أو التقليل من صموده ليست بريئة.
نعم، الطريق أمام السودان شاق وطويل، لكن التعافي لا يبدأ بالقفز، بل بخطوات صغيرة تُعيد الثقة للناس وتكسر شعور العزلة. استعادة مرفق سيادي، أو عودة حركة مدنية، أو حتى ابتسامة فرح جماعية… كلها علامات مقاومة، وليست موادًا للسخرية.
السودانيون لا يطلبون مجاملة، ولا يبحثون عن تصفيق. ما ينتظرونه فقط هو حدٌّ أدنى من الاحترام، وإعلام يدرك أن الكلمة قد تكون جسرًا أو خنجرًا. أما الاستخفاف، فلن يصنع وعيًا، ولن يغيّر واقعًا، ولن يمحو حقيقة راسخة:
السودان باقٍ، وشعبه أصلب من حملات التشويه، وأعمق من إعلام فقد حسه الأخلاقي قبل أن يفقد مهنيته.



