
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
الرباعية ومأزق الوساطة…
تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس أمس، عن الأمل في التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، تكشف بوضوح محدودية الرباعية الدولية وارتباط مواقفها بمحاولات إنقاذ مليشيا الدعم السريع، التي بدأت تنهار على الأرض .
حيث، أعلن بولس أن اللجنة الرباعية توصلت إلى النص النهائي لما وصفته بـ“اتفاق السلام”، مع وثيقة يُعتقد أنها مقبولة لدى طرفي الصراع، تمهّد لهدنة إنسانية، وسيتم رفعها إلى مجلس الأمن الدولي بعد تصديق الرباعية عليها. وأشار إلى آلية وضعتها الأمم المتحدة لانسحاب مقاتلي الطرفين من بعض المناطق لتسهيل تدفّق المساعدات الإنسانية .
لكن هذا الإطار الدولي، كما يرى الموقف السوداني، لا يسعى لإنهاء التمرد بقدر ما يعمل على تكريسه، عبر ترسيخ مناطق سيطرة للمليشيا ومنحها اعترافًا غير مباشر، بدل تصنيفها كجماعة إرهابية ومساءلتها عن الجرائم المرتكبة، بينما تُستخدم المساعدات الإنسانية كغطاء لتقوية تلك المواقع.
على الجانب الرسمي، ظل موقف الحكومة السودانية حاسمًا وواضحًا، إذ أكّد وزير الخارجية محيي الدين سالم في وقت سابق أن “الرباعية” ليست إطارًا شرعيًا لعدم صدورها بقرار من مجلس الأمن، وأن علاقات السودان الخارجية تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، لا على الضغط و الابتزاز السياسي. كما أن رفض هذا المسار لم يعد مجرد موقف دبلوماسي، بل موقف وطني وأخلاقي، خاصة بعد ثبوت تورّط دولة عضو فيه هي الإمارات، في دعم المليشيا، وهو ما أسقط شرعية هذا الإطار في نظر الدولة والرأي العام.
اللافت أن تصريحات بولس عن هدنة أو مساعدات إنسانية دائماً يسبقها تقدّم ميداني للجيش السوداني، ما يفضح أن الرباعية تتصرف كغطاء سياسي لجهة منهارة، لا كوسيط يسعى لإعادة الدولة أو حماية المدنيين.
في مقابل الرباعية، أبدى السودان انفتاحًا مأمولا على المبادرة السعودية – الأميركية، باعتبارها منصة تحترم سيادة الدولة ولم تُقدّم كطرف منحاز، ما يجعلها إطارًا قابلًا للتطبيق لتنفيذ المبادرة السودانية للسلام التي طرحها د. كامل إدريس أمام مجلس الأمن أواخر العام الماضي : وقف إطلاق نار مراقب، انسحاب القوات المتمرّدة، تجميع ونزع السلاح وإعادة الدمج ، وعدالة انتقالية ، يتبعها حوار سوداني شامل وانتخابات حرة ونزيهة.
هذه المبادرة تمثل رؤية الحكومة السودانية للسلام تقوم على الشرعية الوطنية، وليس على ابتزاز دولي أو إقليمي أو حماية ميليشيات منهارة.
على الأرض، وخلال الأيام الماضية تغيّر ميزان القوة لصالح الدولة: القوات المسلحة السودانية حقّقت تقدمًا ملموسًا في محاور كردفان الست، وفكّت حصار مدن استراتيجية مثل الدلنج وكادوقلي، وتمضي تجاه أخرى ما منحها شرعية واقعية تستند إلى السيطرة الميدانية واستعادة المبادرة.
كذلك تأكيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رأس الدولة قائد الجيش أن أي تسوية أو هدنة يجب أن تراعي واقع القوة على الأرض، وأن تشمل انسحاب المليشيا ونزع سلاحها، بما يتوافق تمامًا مع المبادرة السودانية للسلام. الانتصارات الميدانية هنا ليست مجرد تقدّم تكتيكي، بل قاعدة وازنة لتأكيد السيادة الوطنية وتثبيت الموقف السياسي أمام العالم.
إقليميًا أعادت الخرطوم ترتيب أوراقها بذكاء: الدور المصري تحول من الوسيط الداعم إلى حليف استراتيجي، مؤكّدًا أن وحدة السودان وسلامة أراضيه قضية وجودية ووضع فيها خطوط حمراء، بينما تراجع احتكار الرباعية للمبادرة لصالح توازنات جديدة تشمل تركيا وقطر، مع تنامي التنسيق مع القاهرة والرياض، ما يحوّل الخرطوم إلى مركز ثقل سياسي يُعاد منه ضبط الإيقاع الإقليمي وإحكام الرؤية الوطنية السودانية للحل .
نجحت الخرطوم أيضًا في استثمار التعاطف الدولي عقب فظائع الفاشر لتعزيز سرديتها: النزاع ليس صراع داخلي، بل حرب بالوكالة تُخاض للسيطرة على موارده الطبيعية تستخدم ميليشيا مرتزقة مدعومة خارجيًا.
وقد أحسن وزير الخارجية وكل البعثات السودانية بالخارج صياغة هذه الرواية، مؤكدين أن ما يجري ، هجوم مسلح مدعومة من الخارج، ما يضع الرباعية في موقف محرج: محاولة الوساطة صارت مرتبطة بإعادة حماية طرف منهار، وليس بتحقيق السلام أو منع الانتهاكات .
مع الرفض الواسع للرباعية وصعود تحالفات إقليمية جديدة، تتشكل ثلاثة مسارات محتملة : تعميق المحور السعودي السوداني المصري ، بروز وساطة تركية ،قطرية موازية أو داعمة ، أو إعادة تدويل جزئي عبر الأمم المتحدة وفق خارطة الطريق السودانية بالنظر لجولة خارجية يقوم بها هذه الأيام رئيس الوزراء كامل ادريس تشمل جنيف ومحطات أخرى.
كل هذه السيناريوهات تؤكد أن السودان لم يعد في موقع الدفاع السياسي، بل أصبح فاعلًا يملك رؤية واضحة، خيارات متعددة، وقدرة على فرض شروطه.
هكذا ، وبحسب #وجه_الحقيقة يتضح أن السودان يكتب الآن قواعد جديدة للوساطة الدولية، قائمة على السيادة، القوة الميدانية، والحضور الدبلوماسي، بينما الرباعية تظل في مأزقها، عاجزة عن تقديم أي إطار يحمي مصالح الدولة أو شعبها. الانتصارات العسكرية المصحوبة بخطاب سياسي ودبلوماسي مدروس، تجعل أي محاولة لإعادة تدويل الأزمة من الخارج مرتبطة بشروط الخرطوم وحدها، في رسالة صريحة أن السلطة والشرعية لا تُعطى، بل تُنتزع على الأرض وتفرض على العالم.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 5 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com



