*قرصنة تحت ظلال المؤسسية: حين تغتال المصارف قدسية “الأمانة”*

*قرصنة تحت ظلال المؤسسية: حين تغتال المصارف قدسية “الأمانة”*
*قراءة تحليلية في فقه التغول المصرفي(بنك الخرطوم) وسقوط جدار الثقة*
*بقلم: د. محمد عوض متولي*
*الخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*05 فبراير 2026م*
_____________
*توطئة: وثيقة الإدانة وانهيار اليقين*
لم يكن المنشور الصادر عن بنك السودان المركزي (إدارة تنظيم وتنمية الجهاز المصرفي) مجرد إجراء رقابي عابر، بل جاء كـ “صيحة نذير” وشهادة إدانة تاريخية لمؤسسة مصرفية عريقة. إن ما أقدم عليه بنك الخرطوم من استقطاعات قسرية من حسابات الادخار تحت مسميات واهية، يمثل انزلاقاً أخلاقياً ومهنياً يتجاوز كونه خطأً إدارياً؛ إنه زلزال يضرب أساس “الائتمان” الذي يقوم عليه العمل المصرفي برمته.
*أولاً: التكييف القانوني والأخلاقي (السطو المقنن)*
إن ما حدث هو عملية “استباحة منهجية” للملكية الخاصة. فعندما تُقدم مؤسسة مالية على خصم مبالغ وهي تدرك تمام الإدراك عدم قانونيتها، فإننا ننتقل من مربع “الخطأ الفني” إلى مربع “التعدي العمدي”.
* منظور قيمي: لقد انتهك هذا التصرف حرمة المال التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية.
* منظور تعاقدي: العقد المصرفي هو عقد “إذعان” في جوهره، لكنه محكوم بقواعد الشفافية. إن تغيير شروط العقد بـ “جرة قلم” منفردة هو هدم للأمانة المهنية واستهانة بحقوق المودعين الذين وضعوا كدحهم بين يدي البنك بصفته “أميناً” لا “مستحوذاً”.
*ثانياً: قصور الردع الرقابي (حين لا تكفي استعادة المال)*
رغم الترحيب بقرار البنك المركزي القاضي برد الأموال خلال 48 ساعة، إلا أن هذا الإجراء من منظور “التحليل الاقتصادي للأزمات” يظل قاصراً ومخلاً بالتوازن العقابي.
”إن إصلاح الضرر دون معاقبة المعتدي هو دعوة ضمنية لتكرار التجاوز.”
لماذا يُعتبر رد الأموال وحده غير كافٍ؟
1. غياب الغرامات التعويضية: أين حق المودع في التعويض عن حبس ماله بغير وجه حق؟
2. غياب المحاسبة الفردية: القرارات الإدارية التي أقرت هذا “الالتفاف” يجب أن تُساءل قانونياً وتأديبياً لضمان عدم تحول الجهاز المصرفي إلى “إقطاعيات” تدار بالأهواء.
3. شرعية العقود: الصمت عن معاقبة المتجاوز يهز الثقة في مستقبل “عقود الإذعان” المصرفية، ويجعل المودع في حالة ريبة دائمة من أي تحديث تقني أو إداري.
*ثالثاً: المطلب الوطني.. المحاسبة كضمانة وجودية*
إن الأمانة المهنية تحتم على البنك المركزي إعمال “مبدأ القصاص الإداري”. لا يمكن لبنك الخرطوم أن يمر من هذه الأزمة باعتذار باهت أو رد للمظالم فقط، بل يجب أن يكون “عبرةً” لمن يعتبر.
*خارطة طريق الاسترداد:*
استرداد الأموال: (وهي المعركة التي حسمها قرار المركزي).
* استرداد الكرامة المصرفية: عبر فرض عقوبات رادعة تُعلن للرأي العام.
* حماية المودع: بتفعيل رقابة استباقية تمنع “تغول” المصارف على صغار المودعين تحت مسميات (التأمين) أو (الرسوم الإدارية) المبتدعة.
*خاتمة: بين هيبة الدولة وفوضى المصارف*
على بنك السودان المركزي أن يعي أن صمته عن فرض عقوبات مغلظة هو بمثابة “ضوء أخضر” لمزيد من التجاوزات. إن العدالة تقتضي الحزم، والمواطن اليوم يقف مترقباً: هل سيفرض “المركزي” سيادته ويحمي رعيته بقوة القانون؟؟ ؟
أم ستذوب المظلمة في دهاليز البيروقراطية، ويذهب حق المواطن صرخة في وادٍ، أو كما يقول لسان الحال السوداني: “شمار في مرقة”؟؟؟



