
*البرهان وتأكيد المؤكد .* بقلم د. إسماعيل الحكيم *
Elhakeem.1973@gmail.com
إنّ جولة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عدد من قرى ولاية الجزيرة لم تكن تحرّكاً ميدانياً بروتوكولياً فقط ، ولا زيارة علاقات عامة في زمن حرب، بقدر ما كانت حدثًا سياسيًا–اجتماعيًا- عسكرياً – أمنياً ، كثيف الدلالات، واضح المقصد ، تتقاطع فيه رمزية المكان مع توقيت الرسالة، وتتكشف من خلاله ملامح مرحلة تتشكّل على مهل، لكنها تمضي بثبات نحو خواتيمها.
اللافت في مشهد الزيارات المفاجئة ليس فقط الاحتشاد التلقائي للمواطنين حول قائد الجيش، بل تلك العفوية التي كسرت حواجز الرسميات، وأعادت تعريف العلاقة بين القيادة والوجدان الشعبي. بدا المشهد أقرب إلى استفتاء صامت، تُدلي فيه القرى بشهادتها دون صناديق اقتراع، وتقول كلمتها بلا وسائط.
وفي كل خطاب مرتجل، كان البرهان يكرر ما قد يراه البعض “تأكيدًا للمؤكّد”: أن المليشيا إلى زوال، وأن نهايتها باتت قريبة. غير أن تكرار هذا المعنى، في سياق ميداني مفتوح وعلى مرأى من الناس، لا يمكن قراءته بوصفه خطاب تعبئة فقط، بل باعتباره رسالة محسوبة تُبنى على معطيات لا على تمنيات. فالثقة التي تسكن نبرة القائد لا تنفصل عن ميزان القوى المتحرك على الأرض، ولا عن قراءة دقيقة لمسار المعركة.
ذلك أن خطاب الثقة لا يُستعار في الحروب الطويلة، بل يُنتزع انتزاعًا من الوقائع. والوقائع، في الأسابيع الأخيرة، أخذت تميل بوضوح لصالح الجيش السوداني. ومنها فك الحصار عن الدلنج وكادوقلي لم يكن مجرد انتصار تكتيكي، إنما كسرًا لحلقة خنق استراتيجي طال أمدها، وإشارة قوية على استعادة زمام المبادرة في واحد من أعقد المحاور. أما استسلام عدد من قادة المليشيا في محور كردفان، فقد مثّل تصدعًا معنويًا عميقًا في جسدٍ كان يعتمد، في بقائه، على تماسك القيادة أكثر من أي شيء آخر.
إلى ذلك، فإن تصاعد وتيرة الانشقاقات داخل المليشيا، وهروب بعض قادتها من الميدان، يكشف عن مرحلة أفول داخلي تسبق السقوط العسكري. فالتاريخ العسكري يخبرنا أن الجيوش لا تُهزم حين تُستنزف فقط، بل حين تفقد الإيمان بجدوى القتال، وحين تبدأ قياداتها في البحث عن مخارج فردية.
في هذا السياق، يمكن فهم جولات البرهان بوصفها فعل “تهيئة وطنية” بامتياز. كأنه لا يخاطب القرى بقدر ما يخاطب الذاكرة الجمعية، ويعدّ شعبه نفسيًا وسياسيًا للحظة الانتصار الكبير، تلك اللحظة التي طال انتظارها، وترقبها السودانيون على اختلاف مكوناتهم، لا بوصفها نهاية حرب فحسب، لكنها بداية لاستعادة الدولة من براثن الفوضى.
الجيش، في هذا المشهد، لا يظهر كقوة صلبة فقط، بل كمنظومة احترافية تعرف متى تقاتل، ومتى تتقدم بخطاب الطمأنة، ومتى تقول للناس: إن ما صبرتم عليه طويلًا بات أقرب مما تظنون. وبين القرية والدولة، وبين الخطاب والميدان، تتشكل ملامح سودان يقترب – أخيرًا – من عبور هذا المنعطف التاريخي القاسي.



