*بين الأسئلة الثقيلة وشهادة الثلاثين عامًا*: *لماذا يجب أن نُحاور البشير؟* بقلم د. إسماعيل الحكيم

*بين الأسئلة الثقيلة وشهادة الثلاثين عامًا*: *لماذا يجب أن نُحاور البشير؟* بقلم د. إسماعيل الحكيم.
Elhakeem.1973@gmail.com
إنّ من الحكمة أن لا تُقرأ التجارب الكبرى بعين الغضب وحدها، ولا بعين الرضا وحدها، وإنما بعينٍ ثالثة… عينٍ تبحث عن الحقيقة في تضاريسها الكاملة. فالتاريخ لا يُختصر في هتاف، ولا يُلغى بقرار، ولا يُفهم بانتقاء الشواهد. ومن هنا، فإن محاورة أو إستكتاب الرئيس عمر حسن أحمد البشير، واستنطاق تجربته بعد ثلاثين عامًا في حكم السودان، ليست نفلاً سياسيًا، إنما ضرورة معرفية مُلحة . وحقًا للأجيال القادمة.
لقد مرّ السودان خلال تلك العقود بتحولات عميقة؛ خرج من هشاشةٍ مؤسساتية إلى حالة من إعادة البناء، ومن اقتصادٍ مثقل بالعجز إلى محاولات جدية لتحقيق الاكتفاء، ومن جيشٍ محدود الإمكانات إلى مؤسسة عسكرية امتلكت صناعاتها الدفاعية، حتى أصبح السودان — في مرحلةٍ ما — مصدرًا لبعض احتياجاته التسليحية. هذه ليست أحكامًا نهائية، لكنها وقائع تستحق القراءة والتحليل.
في التعليم، توسعت الجامعات انتشارًا وعددًا، وتدفقت أعداد الطلاب إلى مؤسساتٍ لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. وفي الصحة، شُيّدت مستشفيات ومراكز تخصصية، وامتدت الخدمات إلى أطرافٍ ظلت طويلًا خارج دائرة الاهتمام. أما الطرق والجسور، فقد غيّرت وجه العاصمة والولايات، وربطت مناطق كانت معزولة، وفتحت مسارات جديدة للتجارة والحركة والاستقرار.
قد يختلف الناس حول تقييم النتائج، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أن السودان في تلك السنوات لم يكن ساكنًا؛ كان يتحرك، يتشكل، يتعرض للضغوط، ويُعيد ترتيب أولوياته تحت حصارٍ معلن وخفي، وضغوطٍ إقليمية ودولية معقدة.
وهنا تبرز أهمية المحاورة والاستكتاب ، فمن حق أجيال اليوم — بل من واجبهم — أن يعرفوا:
من كان يحاصر السودان؟ ولماذا؟
من وقف إلى جانبه؟ ومن تخلى عنه؟ وكيف أُديرت العلاقات مع دول الجوار؟ وكيف تعاملت الدولة مع التحديات الداخلية؟ وأين أخطأت؟ وأين أصابت؟
إن استنطاق التجربة لا يعني تبرئتها، ولا إدانتها مسبقًا، بل يعني فهمها. فالأمم التي تخشى سماع شهادات قادتها — مهما اختلفت حولهم — تُغامر بفقدان جزءٍ من ذاكرتها. والذاكرة الوطنية ليست ملكًا لتيارٍ دون آخر، بل هي رصيد مشترك تُبنى عليه الرؤية المستقبلية.
إن النهضة لا تبدأ بالشعارات، بل بقراءة التاريخ قراءةً واعية؛ نستوعب فيها تحوّلات القوة والضعف، أسباب الصعود وأسباب التعثر. فكل تجربة حكم، مهما كانت، تحمل في داخلها دروسًا لا تُقدّر بثمن: دروس في الإدارة، وفي الصراع، وفي بناء المؤسسات، وفي التعامل مع الخارج.
لعل البشير — إن أُتيح له الحديث بوضوح وتجرد — يكشف خبايا قرارات كبرى، ويضع أمام السودانيين صورةً من الداخل لمعادلات كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة. وربما يعترف بأخطاء، ويشرح حسابات، ويُضيء مناطق ظلّ ظلت غامضة لسنوات.
فالتاريخ حين يُروى من صانعيه، لا يُقبل كما هو، ولا يُرفض كما هو؛ بل يُفحص، ويُقارن، ويُمحّص. لكن إسكات الشهادة يُفقر الوعي، ويترك فراغًا تملؤه الروايات المتناقضة.
إن السودان اليوم — وهو يطوي صفحاتٍ دامية ويبحث عن طريقٍ جديد — أحوج ما يكون إلى مصالحةٍ مع تاريخه، لا إلى قطيعةٍ معه. فالأوطان لا تُبنى بالذاكرة المبتورة، بل بالذاكرة الكاملة… بما فيها من إنجاز وإخفاق.
إن محاورة ثلاثين عامًا من الحكم ليست محاكمةً سياسية، إنما مساءلة تاريخية. وهي خطوةٌ لا تهدف إلى إعادة الأشخاص إلى الواجهة، بل إلى إعادة الحقائق إلى الضوء.
فمن لا يقرأ تاريخه بجرأة، سيعيد أخطاءه دون أن يشعر.
ومن لا يستوعب تحوّلاته، لن يحسن صناعة مستقبله.
والسودان — بتاريخِه الثقيل وأحلامه الكبيرة — يستحق أن تُروى قصته كاملة.



