إشرافية أبيي: تضارب مصالح أم غياب رقابة؟
جلال الجاك أدول
منبر-الكلمة
في منطقة بحساسية أبيي، لا يُقاس الأداء بعدد القرارات الصادرة، بل بمدى الالتزام الصارم بمعايير النزاهة والحياد. لأن أي انحراف إداري هنا لا يُعدّ خطأً عابرًا، بل شرخًا في جدار الثقة الهش أصلًا. وأول ما يُفقد الثقة هو تضارب المصالح، حين تتقدّم صلة القرابة على مبدأ الكفاءة.
في ٣ يوليو ٢٠٢٤، صدر قرار تعيين رئيس إشرافية منطقة أبيي المشتركة جانب السودان بآمال معلّقة على إعادة ضبط الإيقاع الإداري. غير أن تعيين الابن والنسيب ضمن هياكل الإشرافية فتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل نحن أمام إدارة تُحصّن مؤسساتها بالشفافية، أم أمام دائرة مغلقة تُعيد إنتاج النفوذ داخل العائلة الواحدة؟
القضية ليست شخصية، بل مبدئية. تضارب المصالح في المواقع العامة ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل خلل مؤسسي يُضعف القرار، ويُقوّض ثقة المجتمع، ويبعث رسالة سلبية مفادها أن معيار القرب أهم من معيار القدرة. وهنا يستحضر قول الشيخ فرح ود تكتوك (المال السايب بعلّم السرقة) ؛ فالسلطة إن لم تُحاصر بالرقابة الصارمة، تتحول تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة للتغوّل.
لكن الأخطر من التعيينات هو الأداء العام. منذ ذلك التاريخ، لم يشهد ملف أبيي اختراقًا حقيقيًا يُذكر. لا رؤية معلنة لإدارة التعقيدات، لا مبادرات تُهدئ الاحتقان، ولا خطوات عملية تُعزز الثقة بين المكونات. في منطقة تُعدّ من أكثر الملفات حساسية في السودان، يصبح الجمود الإداري شكلًا من أشكال الفشل الصامت.
أما العلاقة مع مكونات مجتمع أبيي، وعلى رأسهم دينكا نقوك، فقد بدت أقرب إلى إدارة متحفّظة بلا جسور ثقة راسخة. وفي بيئة تقوم على توازنات دقيقة، أي شعور بالانحياز أو الإقصاء لا يبقى في حدوده الإدارية، بل يتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية.
السؤال اليوم لم يعد: هل هناك خطأ؟
بل: أين أجهزة الرقابة؟ وأين مبدأ المساءلة؟ ومن يراجع القرارات التي تمسّ حياد مؤسسة يفترض أنها تمثل الدولة بكل مكوناتها؟
استمرار الوضع الحالي يعني قبول حالة رمادية خطرة: لا إنجازات نوعية، ولا معالجة واضحة لتضارب المصالح، ولا تدخل تصحيحي من الجهات الأعلى. وهذا أخطر من الخطأ نفسه، لأنه يكرّس سابقة إدارية يمكن أن تتكرر في ملفات أكثر حساسية.
بناءً على ذلك، فإن تغيير رئيس اشرافية منطقة ابيي المشتركة جانب، لم يعد مطلبًا سياسيًا عاطفيًا، بل إجراء تصحيحي لحماية ما تبقى من الثقة. المطلوب شخصية قومية من خارج مكونات أبيي، بلا امتدادات محلية قد تُفسَّر كتأثير مباشر، تمتلك خبرة تفاوضية وإدارية، وقادرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع دون لبس أو شبهة.
أبيي ليست مساحة لتجريب النفوذ، ولا ساحة لتوسيع الدوائر العائلية. إنها اختبار حقيقي لجدية الدولة في فرض معايير النزاهة. فإذا لم تُحسم الأسئلة الآن، فإنها ستتراكم حتى تصبح الإجابة مكلفة للجميع.