
حين يضيق المنفى… ويتّسع السؤال
بقلم :إدريس هشابه
قبل أشهر كتبتُ مقالاً عن أوضاع السودانيين في مصر، عن الوجوه التي عبرت الحدود مُثقلةً بالحرب، وعن البيوت التي فُتحت بدافع الأخوة قبل أن تُثقلها تعقيدات الواقع. كتبتُ يومها أن السوداني لا يغادر وطنه ترفاً، بل يخرج مُكرهاً حين تضيق الأرض بما رحبت، وأن الغربة مهما تلطفّت تبقى غربة.
اليوم أستدعي ذلك المقال، لا لأكرره، بل لأقول إن الصمت لم يعد مجدياً.
تتواتر أحاديث متباينة عن تضييقات وإجراءات وترتيبات جديدة تمسّ وجود السودانيين هناك. بين رواية وأخرى تضيع الحقيقة، ويكبر القلق، وتتمدد الشائعات في فراغ المعلومة. وهنا يصبح واجب التوضيح ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مِنّةً من أحد.
نريد بياناً واضحاً من السلطات في مصر يضع النقاط فوق الحروف: ما حقيقة الإجراءات؟ ما سقفها الزمني؟ وما الضمانات القانونية والإنسانية المصاحبة لها؟
ونريد كذلك موقفاً معلناً وشفافاً من السفارة السودانية: ماذا تفعل؟ كيف تدافع؟ وأين تقف من كل ما يُثار؟
سياسة دفن الرؤوس في الرمال لم تحمِ وطناً يوماً، ولم تُطفئ نار شائعة، بل تزيدها اشتعالاً. الغموض يولّد الخوف، والخوف يصنع احتقاناً لا تُحمد عقباه. والعلاقات بين الشعوب لا تُدار بالهمس، بل بالوضوح والاحترام المتبادل.
لسنا في مقام خصومة مع مصر، فهي دولة جارة تجمعنا بها وشائج التاريخ والجغرافيا والمصير. لكن العلاقات الراسخة تُقوّى بالصراحة، لا بالمجاملات الباردة. والكرامة الوطنية لا تتجزأ؛ فهي حق للسوداني داخل وطنه وخارجه.
ثم إن في الأمر درساً أكبر من حدود الأزمة الراهنة.
على السودانيين أن يقرأوا ما يحدث بوعيٍ يتجاوز اللحظة. فالوطن، مهما اشتدّت عليه الخطوب، يظل أرحم من المنافي. السودان ليس بلداً فقيراً يستجدي العيش على أبواب الآخرين؛ هو بلد حباه الله موارد لا تُحصى: أرضاً زراعية تمتد بلا أفق، أنهاراً، ثروات معدنية، وموقعاً استراتيجياً تتقاطع عنده الطرق. وقبل ذلك كله، إنساناً سودانياً صبوراً، خلاقاً، قادراً على البناء متى ما وُجدت القيادة الراشدة والخطة الواضحة.
السودان لا يحتاج إلى دولةٍ تتكفله، بل يحتاج إلى دولةٍ تُحسن إدارة ما يملك.
لا يحتاج إلى وصاية، بل إلى رؤية.
لا يحتاج إلى عطف، بل إلى تخطيط وإرادة.
الهجرة القسرية يجب أن تكون جرس إنذار، لا قدراً دائماً. وما يجري اليوم ينبغي أن يدفعنا لإعادة التفكير في مشروعنا الوطني: كيف نعيد الإعمار؟ كيف نُحيي الزراعة والصناعة؟ كيف نحوّل طاقات الشباب من صفوف الانتظار على الحدود إلى ورش البناء في الداخل؟
الوطن ليس فندقاً نغادره عند أول أزمة، ولا حقيبة نحملها حيث نشاء. الوطن مسؤولية، وعهد، ومصير. وإذا كان بعضنا قد اضطر إلى الرحيل، فإن العودة الآمنة الكريمة يجب أن تكون هدفاً استراتيجياً، لا حلماً مؤجلاً.
في خضم الضباب، نحتاج إلى وضوح رسمي يحمي الناس من القلق، ونحتاج في الوقت ذاته إلى يقظة وطنية تُذكّرنا بقيمة السودان. فالأوطان لا تُقاس بسنوات الحرب، بل بقدرتها على النهوض بعدها.
وسيظل السؤال قائماً:
هل نتعامل مع ما يحدث كأزمة عابرة، أم كفرصة لمراجعة أنفسنا وبناء وطنٍ لا يضطر أبناءه إلى الوقوف على أبواب الآخرين؟
الإجابة ليست في القاهرة وحدها…
بل تبدأ من الخرطوم، ومن كل سوداني يؤمن أن هذا البلد، رغم الجراح، قادر على أن ينهض من جديد.