مقالات الرأي
أخر الأخبار

“من ذاكرة الصناعة الوطنية … لاركو ” بقلم / عبد الكريم إبراهيم

“من ذاكرة الصناعة الوطنية … لاركو ”
بقلم / عبد الكريم إبراهيم

تظل الصناعة الوطنية لأي أمة هي العنوان الحقيقي لتطورها ويقال الدول الصناعية الكبرى ، وليست الصناعة مجرد أرقام في ميزانيات الدول بل هي تلك “البصمة” التي نتركها على الأرض التي نمشي عليها. لكن، أحياناً ما تكون الفجوة كبيرة بين (الأذرع المساندة ) و(الواقع المعاش) شاسعة جداً، ولا يردم هذه الفجوة إلا موقف صادق يثبت أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل خياراً يُمارس.
في ستينيات القرن الماضي، كانت شركة باتا للأحذية هي الاسم الأكثر حضورًا في السودان، حيث ارتبطت بذاكرة الأعياد والمناسبات، وكانت متاجرها وجهةً للطبقة الوسطى والموظفين. لكن مع مرور الزمن، بدأ نجم باتا بالأفول تدريجيًا، حتى اختفت من السوق السوداني في السبعينيات والثمانينيات.
في تلك الحقبة، برزت مجموعة حجار عبر مصنعها “لاركو”، الذي جاء ليملأ الفراغ الذي تركته باتا. لم يكن مجرد بديل، بل كان مشروعًا وطنيًا بامتياز، إذ قدم منتجًا سودانيًا عالي الجودة، نافس الأحذية المستوردة، بل وضاهى الموديلات الإيطالية في المتانة والأناقة. وهكذا، أصبحت “لاركو” هي نوع الحذاء الذي ارتبط بالذاكرة السودانية، في الملاعب والشارع على حد سواء.
في ردهات وزارة الصناعة، وتحديداً في مكتب الوزير الأسبق د. جلال الدقير، انعقد اجتماعٌ كان عنوانه “إنقاذ صناعة الجلود”. جلس كبار القوم من خبراء ومسؤولين، وكيل الصناعة وقتها الراحل المقيم ا.سيف الدين داؤود المدني رحمه الله، خبير الصناعة في مجال المدابغ والجلود الرأحل المقيم ا.محمد وداعة الله ، والمدير التنفيذي للوزير وقتها الأخ الأستاذ بلال يوسف المبارك، بجانب القامة أ. أنيس حجار والخبير أ. علي أحمد عباس والراحل أ. عبد الواحد عبد الله مدير لاركو حينها رحمه الله، ليناقشوا غزو المنتجات الأجنبية التي خنقت المصانع المحلية، وعلى رأسها قلعة “لاركو” العريقة.
وبينما كانت القاعة تضج بعبارات “دعم المنتج المحلي” وضرورة “توطين الصناعة”، سقط سؤال مباغت كالصاعقة وسط الحضور: “من منكم الآن يرتدي حذاءً سودانياً؟”
ساد صمتٌ ثقيل، وبدأ الحرج يتسلل إلى الوجوه؛ إذ كانت الماركات العالمية الفاخرة التي يرتديها المسؤولون هي الإجابة الصامتة والجارحة في آن واحد. تناقضٌ صارخ بين ما تنطق به الشفاه وما تحمله الأقدام!
وفي تلك اللحظة ، لم أكن مجرد مراقب، بل كنت “الاستثناء”. وبكل ثقة كسرْتُ حصار الصمت، مشيراً إلى حذائي: “أنا أرتدي حذاءً وطنياً.. من صنع (لاركو) التي نتحدث عنها”.
حينها، تنفس الوزير الصعداء قائلاً بامتنان: “لقد أخرجتنا من حرج عميق يا عبد الكريم”. أما أنيس حجار، فقد رأى في ذلك الحذاء “وسام وفاء” لصناعة أفنى فيها عمره، واعداً بجائزة بقيت قيمتها المعنوية تفوق أي عطاء مادي.
ولعل ما يرسخ هذه المعاني ما رواه لي الأخ الوكيل في وقت مضى الأستاذ شاذلي محمد عبد المجيد خليل، حين قال:
“كنت عضو مجلس إدارة شركة لاركو للأحذية إبان عهد المرحوم محمد البشير الوقيع رحمه الله. وأذكر جيداً أنه عند التحضير لزيارة الرئيس الراحل نميري رحمه الله لأمريكا، كان الأستاذ بدر الدين سليمان وزير الصناعة رحمه الله عضواً في الوفد. وفي اجتماع التحضير، طرح سؤالاً على الحضور: من هو الرجل الكامل؟ وكانت إجابته أن الرجل الكامل هو الذي يرتدي ملابسه وأحذيته من صناعة وطنه. وبالفعل، تم شراء القمصان من شركة أسندكو، والأحذية من شركة باتا، والبدلة من ترزي في السوق الإفرنجي. هكذا كانت تدار دولتنا ومؤسساتنا.”
هذا الحديث يلخص جوهر الفكرة: الوطنية ليست مجرد شعارات، بل ممارسة يومية تبدأ بما نرتديه ونستهلكه من إنتاج وطننا.
لم تكن (لاركو) مجرد مصنع للأحذية، بل كانت مؤسسة وطنية تحتضن رموز الرياضة السودانية، إذ ارتبط اسمها بكوكبة من نجوم كرة القدم وعلى رأسهم كابتن الهلال والفريق القومي وقتها، صاحب الرأس الذهبية عز الدين عثمان (الدحيش) ، والكابتن ابن مدينة حلفاية الملوك صديق البدري الشفيع وغيرهم كثر ، لقد جسدت (لاركو) معنى أن تكون الصناعة الوطنية جزءًا من الهوية الثقافية والرياضية، فهي لم تكتفِ بصناعة الأحذية، بل صنعت تاريخًا يليق بقدم سودانية حملت المجد في الملاعب.
حين نذكر (لاركو)، فإننا لا نستحضر فقط ماكينة تصنع الجلد، بل نستحضر ذاكرة وطنية ارتبطت بالانتصارات الرياضية وبنجوم رفعوا اسم السودان عاليًا.
رحل الرجال، ومضت السنون، ولم يعد الوجع في ضياع “جائزة” لم تتحقق، بل في المصير الذي آلت إليه “لاركو”. تلك الصناعة التي كانت تضاهي بمتانتها وجودتها أرقى الموديلات الإيطالية، سقطت ضحية لسياسات اقتصادية لم توفر لها الحماية، وتحديات عصفت بالقطاع الخاص، حتى صمتت محركات المصنع، وغاب ذلك المنتج الذي كان يوماً فخراً للقدم السودانية.
إن حكاية نوع “حذاء لاركو” ليست مجرد ذكرى عابرة في أرشيف الوزارة، بل هي درسٌ بليغ في “أدب الوطنية”. إن بناء الأوطان لا يتم بالقرارات التي تُكتب على الورق، بل بالإيمان الحقيقي بما تصنعه أيدينا. فرحم الله الرواد الذين آمنوا بصناعتنا، وتبقى الأمنية قائمة: أن تعود لـ “لاركو” سيرتها الأولى، وأن نصل إلى اليوم الذي يتحقق فيه شعار نلبس فيه ما نصنع، بكرامة وفخر.
إن قصة “لاركو” ليست مجرد حكاية مصنع للأحذية، بل هي رمز لمعنى أن نصنع بأيدينا ما نرتديه ونفخر به. هي دعوة للأجيال الجديدة أن تدرك أن الصناعة الوطنية ليست رفاهية، بل هي ركيزة السيادة وكرامة الشعوب. فإذا أردنا أن نكتب مستقبل السودان، فلا بد أن نعيد الاعتبار لصناعته، ونستحضر من ذاكرة “لاركو” ما يلهمنا أن ننهض من جديد، ونلبس ما نصنع، ونمشي بخطى واثقة على أرضنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى