*حميدتي كيف قال كل ما يُسقطه دفعةً واحدة؟* بقلم د.إسماعيل الحكيم*

*حميدتي كيف قال كل ما يُسقطه دفعةً واحدة؟* بقلم د.إسماعيل الحكيم . *
لم يكن حميدتي في خطابه الأخير بحاجةٍ إلى خصومٍ يفنّدون أطروحاته، إذتكفّل هو بنفسه بتقويضها، وأقام الحجة على مشروعه من داخله قبل أن يقيمها عليه الآخرون. لقد جاء الخطاب مثقلاً باعترافاتٍ تتجاوز حدود الزلة السياسية إلى مستوى الإدانة الأخلاقية والوطنية، حتى بدا كأنه وثيقة نعيٍ لمشروعٍ وُلِد مضطرباً وعاش متناقضاً.
حميدتي أقرّ باستجلاب المرتزقة لاستخدام المسيّرات، وهو اعترافٌ لا يُقرأ في سياق عسكري فقط ، ولكن في سياق تقويض السيادة الوطنية واستباحة القرار السوداني. فالاستعانة بمرتزقة ليس خياراً تكتيكياً منعزلاً ، إنما إعلان ضمني عن عجزٍ ذاتي وفقدانٍ للحاضنة الشعبية والعسكرية معاً. وحين يُضاف إلى ذلك الحديث عن تدمير قوافل الإغاثة، فإننا أمام خطابٍ يُسقط عن صاحبه دعوى الدفاع عن الشعب، ويضعه في مواجهةٍ مباشرة مع معاناة المدنيين.
أما اعترافه بتلقي دعمٍ وتمويلٍ من الإمارات العربية المتحدة و**المملكة العربية السعودية**، فإنه يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول استقلالية القرار، وحول طبيعة المشروع الذي يُدار خارج الإرادة الوطنية. إن أي حركةٍ سياسية أو عسكرية تستمد بقاءها من الخارج أكثر مما تستمده من الداخل، إنما تؤسس لعزلةٍ لا لانتصار، ولارتهانٍ لا لسيادة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز الخطاب إلى نعي ما سُمّي بـ«حكومة تأسيس» وتوابعها، مع الاعتراف بعدم قدرتها على توفير الخدمات لمواطنيها وهذا إقرارٌ بفشلٍ إداري وسياسي كبير ، لا يمكن تغليفه بالشعارات أو تبريره بظروف الحرب. فالحكومات تُقاس بقدرتها على إدارة الموارد، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، لا بكثرة البيانات ولا بعلوّ النبرة.
ومن أكبر السقطات التي حفلت بها كلمته، ذلك التناقض البيّن بين ادعائه بأنه «أكثر الناس تديناً» ثم إعلانه الإيمان بالعلمانية بعد الحرب. إن التدين ليس لافتةً تُرفع في أوقات الحاجة، ولا العلمانية موقفاً يُتّخذ بوصفه مخرجاً تكتيكياً. التناقض هنا ليس فكرياً فحسب، بل أخلاقي أيضاً؛ إذ يكشف عن براغماتيةٍ مفرطة تُبدّل القناعات بتبدّل المواقع.
غير أن أخطر ما ورد في الخطاب، في رأي اعترافه الصريح بعدم المقبولية وسط الشعب السوداني. وهذا – في علم السياسة – كافٍ لنسف أي مشروعية. فالمشاريع السياسية لا تقوم على السلاح وحده، بل على الرضا العام، وعلى شعور الجماهير بأنها ممثَّلة في الرؤية والمسار. وحين يعترف القائد بانعدام هذه المقبولية، فإنه يوقّع – بيده – شهادة وفاة مشروعه.
وفي جانبٍ آخر، كشف الخطاب عن جهلٍ واضح بالنواحي الاقتصادية، حين تحدث عن إيقاف خدمة «بنكك» وعدم التعامل بالعملة الحالية، وكأن الاقتصاد يُدار بالقرارات الانفعالية لا بالمعادلات المعقّدة. إن محاولة العبث بالنظام المصرفي ليس ورقة ضغط سياسية، بل مقامرة بمصير مواطنيك ومدخراتهم، وضربٌ لما تبقى من ثقةٍ في مؤسسات دولتك ..
خلاصة القول، إن الخطاب الذي أُريد له أن يكون بيان قوة، انقلب إلى وثيقة ضعف؛ والذي طُرح بوصفه رؤية، انكشف باعتباره ارتباكاً؛ والذي قُدّم كتبرير، تحوّل إلى اعتراف. وهكذا، لم يعد السؤال: ما الذي قاله؟ بل: كيف قال كل ما يُسقطه دفعةً واحدة؟
إن قيمة الخطاب السياسي تُقاس بمدى اتساقه، وبقدرته على الإقناع، وبما يحمله من مشروعٍ واضح المعالم. أما حين يغلب عليه التناقض، وتثقله الاعترافات، وتفضحه الأرقام والوقائع، فإنه يصبح – مهما ارتفعت نبرته – بلا أثرٍ يُعتدّ به، ولا وزنٍ يُحسب في ميزان التاريخ.