مقالات الرأي
أخر الأخبار

من قلب الحوش… حين عاد الصوت إلى أم درمان بقلم :إدريس هشابه

من قلب الحوش… حين عاد الصوت إلى أم درمان

بقلم :إدريس هشابه

بعد ثلاثة أعوام من الغياب القسري، لم تكن العودة إلى استوديوهاتنا في أم درمان استئنافاً لدوامٍ انقطع، بل استرداداً لنبضٍ ظل ينتظر لحظة الانبعاث. عدنا، أنا وكوكبة من الزملاء، نحمل معنا شوق السنوات الثقيلة، لنعدّ ونبث أول نشرة أخبار متكاملة من داخل التلفزيون. وحين أُضيئت الكاميرات، شعرنا أن الضوء لم يُسلَّط على الطاولة والمذيعين فقط، بل على إرادةٍ أبت أن تنطفئ.
لم يكن ذلك البث خبراً عابراً في جدول البرامج؛ كان بيان حضور. إعلاناً صريحاً بأن الصوت الذي حاولوا خنقه ما يزال قادراً على أن يخرج واضحاً، ثابتاً، مؤمناً برسالته. زملاء ظلوا مرابطين في أم درمان حتى في أحلك الأيام، حين احتلت المليشيا مباني التلفزيون ومعظم أحياء المدينة، لم يبدلوا مواقعهم ولم يطفئوا جذوة الانتماء. عزيمة لا تلين، وإيمان بأن هذه المهنة موقف قبل أن تكون وظيفة.
ثم جاء التحدي الأكبر: بث الفترة المفتوحة الرئيسية لبرنامج “سوداني أنا” من داخل الاستوديوهات نفسها، بإمكانات شحيحة وصبرٍ واسع كالوطن. ومن رحم التحدي وُلد استوديو الشهيد فاروق الزاهر الخارجي؛ تأسس في زمنٍ قياسي، لكن بروح خبرةٍ متراكمة، ولمساتٍ إبداعية صاغتها سواعد منسوبي التلفزيون. لم يكن مجرد فضاء تصوير، بل ثمرة رؤية آمنت بأن قلة الموارد لا تعني قلة الحيلة، وأن الإبداع قد يزهر حتى في أقسى الظروف.
هذا الاستوديو حمل اسم رجلٍ ارتقى مع زمرة من الزملاء إبان إعلان تحرير القصر الجمهوري من قبضة مليشيا الدعم السريع. وحين وقفنا داخله، لم ندخل مكاناً جديداً فحسب؛ دخلنا مساحة وفاء. كل زاوية فيه كانت تستدعي البدايات، وكل تفصيلة تهمس بأن الرجال يمضون، لكن أثرهم يبقى في الضوء والصورة والذاكرة.
تذكرت رمضان 2023، حين انطلقت الشرارة الأولى للحرب، فتحولت الخرطوم إلى ساحة نزوح ودماء وقلقٍ مقيم. بين ذلك الرمضان وهذا، مسافة وجعٍ طويلة، لكنها أيضاً مسافة صبرٍ أطول. ما بدا في لحظته انكساراً، كان في عمقه اختباراً للمعنى.
حين خرجت الصورة إلى الناس، رغم تواضع الأجهزة وضيق الإمكانات، أدركت أن الإرادة قد تصنع ما تعجز عنه الميزانيات. لم نكن نبحث عن صورة مثالية بقدر ما كنا نبحث عن صورة صادقة. وفي زمن الاضطراب، تكفي الصدقية لتكون نصراً.
التلفزيون القومي، والإذاعة، والمسرح، و”الحيشان” القديمة… ليست مباني صامتة. إنها ذاكرة أجيال، ومرافئ أحلام، ومساحات حب لا يعرف قيمتها إلا من كان من أهل الحوش. حبٌ لا يُقاس برواتب، ولا تُحدده مقارنة بمهنٍ أخرى، خاصة في ظل غياب قانونٍ واضح ينظم الهيئة، وتراكم التلكؤ عبر الحكومات المتعاقبة في تثبيت وضع إداري مستقر للإذاعة والتلفزيون حتى يوم الناس هذا.
تمضي خطة عودة التلفزيون ببطء… لكنه بطء يتحرك. والأمل أن تكتمل الخطى بإعادة البث بنظام HD، وبأجهزة حديثة تواكب ما يشهده العالم من تطور تقني متسارع. فإذا كانت الدولة تطور أدواتها في ميادين الحرب، فإن معركة الوعي لا تقل أهمية. الإعلام أيضاً جبهة، والصورة الصادقة أثرها أبقى من ضجيج كثير.
إلى أن يتحقق ذلك، يظل الرجاء قائماً في أن تُعاد للتلفزيون مقوماته الأساسية، وأن تعود محتويات الاستوديوهات التي آلت لجهات أخرى بعد تطهيرها، حتى يتمكن من أداء رسالته بالحد الأدنى الذي يليق بتاريخه ومكانته.
هذه حكاية صوت عاد من بين الركام. حكاية وفاء لشهيد، وإجلال لمرابطين، وإيمان بأن الخراب ليس قدراً نهائياً. من قلب الحوش تعلمنا أن الوطن قد يُرهق، لكنه لا يموت… وأن أم درمان، كلما ضاقت، اتسعت لأحلام أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى