حزب النصير احمد الخير سوداني أنا مشروع وطني على شاشة تلفزيون السودان ٢

حزب النصير احمد الخير
سوداني أنا مشروع وطني على شاشة تلفزيون السودان
(2)
في موسمٍ تتشابه فيه الشاشات، وتتزاحم فيه البرامج الرمضانية ذات القالب الغنائي الخفيف بحجة ملاءمة ما بعد الإفطار، يطلّ برنامج «سوداني أنا» بوصفه تمردًا هادئًا على النمط السائد، وانحيازًا واعيًا لمعنى مختلف للمتعة والفائدة معًا. إنه اختيارٌ صريح للعمق بدل الاكتفاء بالاستعراض، وللاقتراب من الناس بدل الاكتفاء بإبهارهم.
الفترة المفتوحة التي تأتي عقب الإفطار لا تبحث عن منافسة المسلسلات التي تضج بها الشاشات العربية، ولا تسعى إلى مجاراة إيقاعها الصاخب، بل تقدم اقتراحًا آخر للمشاهد السوداني: أن يرى نفسه في المرآة، وأن يسمع صوته في فضاءٍ رحب، وأن يتعرّف إلى وطنه مدينةً مدينة، وحكايةً حكاية.
فكرة البرنامج تقوم على تقديم مدينة من مدن السودان في كل حلقة؛ لا بوصفها موقعًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها كائنًا حيًا ينبض بأهله، وتاريخه، وتحوّلاته. يعرّف البرنامج بالمدينة، ويقترب من ناسها، وينقل نبض شوارعها وأسواقها ومؤسساتها، ويصغي إلى قصص الناس البسطاء قبل النخب، ويعكس آمالهم وطموحاتهم وأحلامهم المؤجلة.
ولا يتجاهل «سوداني أنا» التحولات الكبرى التي فرضتها الحرب، إذ يستصحب أثرها على المدن والقرى، ويرصد كيف ألقت بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، من الاقتصاد إلى التعليم، ومن الخدمات إلى النسيج الاجتماعي. لكنه، في الوقت نفسه، لا يقف عند حدود الألم؛ بل يفتح نافذة واسعة على قصص الصمود والتحدي، وعلى المبادرات المجتمعية التي تثبت أن هذا الشعب، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على إعادة ترتيب يومه وصناعة أمله.
البرنامج، في جوهره، مشروع وطني مصغّر على الشاشة. هو رحلة يومية في جغرافيا السودان الواسعة، لكنه أيضًا رحلة في وجدان أهله. يرسّخ معنى الانتماء، ويجدد الإحساس بأن اختلاف المدن تنوّعٌ يُغني، لا تباعدٌ يُقصي. ومن خلال هذا الطواف الرمضاني، تتجسد العبارة الجامعة: «كل أجزائه لنا وطن»؛ لا شعارًا عاطفيًا، بل حقيقة تُروى بالصوت والصورة.
بهذا المعنى، لا يقدّم «سوداني أنا» مادة ثقيلة على المشاهد بعد الإفطار، كما قد يُظن، بل يقدّم مادة صادقة. والصدق، في زمن الضجيج، هو أخفّ ما يكون على القلب وأبقى ما يكون في الذاكرة.