
ارتدادات الإقليم… حين يعود الصدى إلى مصدره
بقلم :إدريس هشابه
في مشهدٍ يعكس مفارقات السياسة الإقليمية، تتبدّل الصور سريعاً. بينما تستعيد مطارات السودان نشاطها تدريجياً رغم جراح الحرب، تتصدر أخبار الإغلاقات والاحتياطات المشددة في الإمارات العربية المتحدة العناوين، في لحظة تكشف هشاشة مقولات طالما رُوّج لها باعتبارها حقائق ثابتة.
لسنوات، بُني الخطاب الرسمي في أبوظبي على فكرة “الواحة الأكثر أماناً”، باعتبارها نموذجاً للاستقرار في إقليم مضطرب. غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، في ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعادت طرح سؤال جوهري: هل يمكن لدولة أن تظل بمنأى عن تداعيات سياسات إقليمية معقدة كانت طرفاً فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
النقد الذي يوجَّه اليوم لسياسات محمد بن زايد آل نهيان لا ينطلق من فراغ. فهناك اتهامات متكررة بدعم أطراف مسلحة في بؤر نزاع، وهو ما تنفيه أبوظبي رسمياً، لكنه ظل محور جدل سياسي وإعلامي واسع. في المقابل، يرى منتقدو تلك السياسات أن التدخلات غير المباشرة في صراعات المنطقة لا يمكن فصلها عن حالة السيولة الأمنية التي باتت تضرب الإقليم بأسره.
التجربة السودانية تحديداً أصبحت جزءاً من هذا النقاش. فبلد أنهكته الحرب يسعى اليوم لإعادة بناء مؤسساته واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية، فيما يحمّل قطاع من الرأي العام قوى إقليمية مسؤولية تأجيج الصراع عبر دعم فصائل بعينها. هذه الاتهامات – سواء ثبتت أو نُفيت – تعكس حجم التوتر في العلاقات وتعمّق فجوة الثقة.
السياسة الإقليمية ليست بياناً صحفياً، ولا تُدار عبر حملات علاقات عامة. الاستقرار الحقيقي يُبنى على مبدأ عدم تصدير الأزمات، وعلى احترام سيادة الدول، وعلى إدراك أن الفوضى لا تعترف بالحدود. ما يحدث اليوم يذكّر الجميع بحقيقة قديمة: توازنات القوة في الشرق الأوسط سريعة التقلب، وأي انخراط في صراعات الآخرين يحمل في طياته احتمال ارتداد التأثير.
ليس من الحكمة الاحتفاء بقلق أي دولة، فاضطراب الإقليم لا يصب في مصلحة أحد. لكن من المشروع سياسياً مساءلة الخيارات، وطرح الأسئلة حول جدوى السياسات التي جعلت المنطقة ساحة مفتوحة للتجاذبات. فالأمن لا يُشترى بالمال، ولا يُصنع بالتحالفات المؤقتة، بل يقوم على استقرار جماعي يدرك أن مصير العواصم مترابط مهما بدت المسافات بعيدة.
في لحظات التحول الكبرى، تتساقط الشعارات ويبقى الواقع. والواقع يقول إن مناخ المنطقة اليوم يفرض مراجعات عميقة على الجميع — بلا استثناء.