مقالات الرأي
أخر الأخبار

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي إيران… ثور في معرض الخزف..

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

إيران… ثور في معرض الخزف..!

حين تعرّضت إيران اول أمس لضربة أمريكية ، قرأتها مساساً مباشراً بمعادلة الردع التي بنتها عبر سنوات من الاشتباك المباشر وغير المباشر. لذلك جاء ردّها سريعاً وممتداً، أقرب إلى اندفاع ثورٍ اقتحم معرض خزف، إذ وسّعت طهران نطاق ضرباتها لتشمل المصالح والقواعد الأمريكية في عدد من دول الخليج، في محاولة لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك في الإقليم.

فالأزمات الكبرى في الشرق الأوسط من المعلوم لا تتحرك بخطى هادئة، إنها حين تدخل المسرح تعيد اختبار التوازنات الدقيقة والمصيرية، وتفتح المجال أمام إعادة هندسة موازين القوة والنفوذ، حيث يضيق هامش الخطأ وتغدو إدارة التصعيد مدا وجزرا هي العنوان الحقيقي للمرحلة.

في القراءة الأمريكية بحسب خبراء تحدثوا لعدد من الفضائيات، لا يُفهم أي عمل عسكري ضد إيران عادة بوصفه مدخلاً إلى حرب شاملة، بل أداة لإعادة ضبط السلوك الإيراني ضمن سقف ردعي محدد. تاريخياً تميل واشنطن إلى الضربات الجراحية التي تستهدف تقليص القدرات الصاروخية أو إبطاء البرنامج النووي أو إضعاف منظومات المسيّرات، وهي أهداف تبدو عسكرية في ظاهرها، لكنها تحمل بعداً سياسياً أكبر يتعلق بإعادة ترسيم خطوط النفوذ في الخليج دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة باهظة الكلفة قد تتسع ارتداداتها علي الجميع دون استثناء.

غير أن المعضلة الأساسية تكمن في أن إيران ليست فاعلاً تقليدياً سهل الاحتواء أو السيطرة عليه، فهي تعتمد عقيدة ردع غير متماثل تسمح لها بتوسيع مسرح الاشتباك رأسيا و أفقياً، ما يجعل أي ضربة محدودة مرشحة لإطلاق ردود واسعة يصعب ضبط مسارها بالكامل. كما يجري الآن.

العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على مبدأ واضح: إذا ضُرب العمق الإيراني، فستُضرب القواعد الأمريكية في الإقليم. ولهذا يصبح استهداف تلك القواعد أو المصالح المرتبطة بها السيناريو الأكثر ترجيحاً في أي جولة تصعيد. ومع ذلك، تُظهر الخبرة التراكمية لطهران ميلاً ثابتاً إلى الضبط المحسوب الذي لا يميل الي إطالة أمد الحرب ، فهي تدرك أن توسيع دائرة النار إلى مستوى حرب شاملة قد يهدد بقاء النظام ، وهو خط أحمر استراتيجي ليست مستعدة لتجاوزه، علي الأقل في الوقت الحالي.

من هنا يمكن فهم السلوك الإيراني باعتباره مزيجاً من الاندفاع المدروس والانضباط القلق: ضربات مؤلمة بما يكفي لحفظ الردع، لكنها محكومة بإيقاع يمنع الانفجار الكامل.

لكن خلف هذه الأهداف العسكرية المعلنة تقف معادلة أعمق من الحسابات. فالصواريخ الإيرانية ليست مجرد منظومة تسليحية، بل رافعة ردعية تعوض بها طهران ضعفها النسبي في سلاحي الجو والبحر.

أما البرنامج النووي فيمثل ورقة تفاوض استراتيجية . لذلك فإن أي محاولة لتجريد إيران من هذين العنصرين تعني عملياً خفض مكانتها الإقليمية وإعادة تقليص هامش مناورتها. وفي هذا السياق، يتقاطع الضغط على إيران مع حسابات مهمة، تمس أمن الطاقة العالمي، ولا سيما المصالح الصينية التي ترى في طهران عقدة جيوسياسية مهمة ضمن شبكة إمداداتها ومبادرة الحزام والطريق.

ومع ذلك، من المبالغة افتراض أن واشنطن تستهدف بكين مباشرة عبر البوابة الإيرانية كما ذهب بعض المحللين ؛ الأرجح أن تأثير الضغط على الصين يظل مكسباً جانبياً مهماً، لا الهدف الغير معلن الأول.

عليه يظل السؤال الأكثر حساسية وأهمية يتعلق بما قد يحدث إذا جرى في هذه العملية، تحييد إيران إقليمياً بدرجة كبيرة. التاريخ السياسي للمنطقة يعلّمنا أن فراغات القوة لا تبقى فارغة طويلاً، بل تتحول سريعاً إلى مساحات سيولة تتنافس على ملئها قوى إقليمية وفواعل آخرين لهم تأثير.

فهناك من يربط ذلك بصعود الإسلام السياسي، غير أن الربط الآلي بين إضعاف إيران وصعود التيار الإسلامي، بالنظر إلى تجربة الربيع العربي، يظل تبسيطاً مُخلاً في بعض جوانبه، إذ إن تمدد تلك الحركات يرتبط أساساً بهشاشة الدولة الوطنية وارتهانها للنفوذ الخارجي، وبالأزمات الاقتصادية البنيوية، وفجوات الشرعية السياسية الانتخابية. ومع ذلك فإن تراجع مركز ثقل إقليمي بحجم إيران قد يفتح بالفعل نوافذ حركة لبعض التيارات في البيئات الأكثر هشاشة، ولا سيما مع ضعف الأنظمة السياسية.

في خضم هذا الاشتباك الإقليمي المحتدم، لا يقف السودان في قلب العاصفة، لكنه أيضاً ليس بمنأى عن ارتداداتها. فموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وحاجته الملحّة لإعادة بناء الدولة بعد حرب مُنهِكة تفرض عليه انتهاج سياسة دقيقة تمزج بين الحذر الاستراتيجي والبراغماتية الواقعية.

وقد عكست أمس اجتماع مجلس الامن والدفاع واتصالات الرئيس عبد الفتاح البرهان مع عدد من القادة العرب تموضعاً سودانياً محسوباً يميل سياسياً نحو دعم الحلفاء الخليجيين، مع الحفاظ على سقف دبلوماسي منضبط يتجنب الانخراط الميداني المباشر، وهو توازن تدفع إليه ضرورات الداخل قبل حسابات الخارج.

اقتصادياً، أي تصعيد واسع وممتد في الخليج يحمل مخاطر اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد السوداني الذي يعاني أصلاً من الهشاشة ومن تحديات ما بعد الحرب.

وأمنياً فإن اتساع رقعة التوتر يرفع منسوب السيولة في البحر الأحمر ومحيط القرن الأفريقي، ما يجعل تحييد الجغرافيا السودانية أولوية لا تقل أهمية عن إدارة علاقاته الإقليمية.

أما سياسياً، فتجد الخرطوم نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على عمقها الخليجي الحيوي، مع تجنب الانزلاق إلى استقطاب حاد يقيّد هامش حركتها التقليدي.

لذلك الحكمة الاستراتيجية للسودان في هذه اللحظة لا تكمن في رفع الصوت أو الاصطفاف ، بل في إحكام التموضع. تثبيت الجبهة الداخلية، وتوسيع الحضور الدبلوماسي، وحماية مسرح البحر الأحمر من التحول إلى ساحة صراع مفتوح. فالشرق الأوسط يقف اليوم على حافة توازن هش، ضربة محدودة قد تُقرأ في واشنطن كأداة ضبط، لكنها في طهران تُفهم كتهديد وجودي، وبين الإدراكين مساحة خطرة من سوء التقدير.

بحسب #وجه_الحقيقة فإن إيران تمتلك القدرة على إحداث فوضى واسعة إذا اندفعت بلا قيود، لكنها حتى الآن تفضّل الاندفاع المحسوب لا الانفجار الشامل. وبين هذين الحدّين يتشكل مشهد إقليمي متوتر، ليس حرباً حتمية ولا سلاماً مستقراً، بل لحظة معلّقة تمسكها الأطراف بأطراف أصابعها… بانتظار الخطأ الكبير.
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 2 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى