مقالات الرأي
أخر الأخبار

الناجي عبد الله يمنح خصومه هدايا مجانية!!! بقلم :إدريس هشابه

الناجي عبد الله يمنح خصومه هدايا مجانية!!!

بقلم :إدريس هشابه

في السياسة، كما في الحكمة القديمة، لكل مقامٍ مقال. فالكلمة ليست مجرد رأي يُلقى في الهواء، بل موقفٌ محسوب الأثر، قد يفتح بابًا للحكمة أو يفتح جبهةً جديدة من الخصومة. لذلك تبدو بعض التصريحات، في توقيتها أو مضمونها، أقرب إلى سوء تقدير سياسي منها إلى اجتهادٍ مشروع.
ما ورد من تصريحات للناجي عبد الله، في هذا التوقيت الحساس الذي تمر به البلاد، يمكن وصفه بأنه سقطة سياسية غير موفقة. ليس لأن الرأي في ذاته محرم، بل لأن الظرف الوطني يفرض قدراً أعلى من المسؤولية والانضباط في الخطاب. فالبلاد تخوض حربًا لم تُحسم بعد، ومعركةً معقدة تتطلب حشد الطاقات لا تشتيتها، وتوحيد الصف لا فتح مسارات جديدة للجدل.
المشكلة في مثل هذه التصريحات أنها لا تقف عند حدود صاحبها، بل تجر خلفها من ينتمي إليهم إلى دائرة الاتهام، وتضعهم في موقف لا يُحسدون عليه. والأسوأ من ذلك أنها تمنح الخصوم السياسيين — لا سيما الأحزاب الداعمة للمليشيا — مادة مجانية للطعن والتشكيك، في وقتٍ ينبغي فيه أن تُغلق الثغرات لا أن تُفتح.
السؤال البسيط هنا: ما الفائدة السياسية أو الوطنية من مثل هذه التصريحات الآن؟
هل تضيف شيئًا لمعركة البلاد؟ أم تمنح الخصوم ذخيرة خطابية جديدة يستخدمونها في حملاتهم؟
لو صدرت مثل هذه العبارات من أحد شباب الإسلاميين، لربما أمكن تفهّمها في سياق حماس الشباب واندفاعهم وقلة تجربتهم السياسية. فالشباب بطبيعته يميل إلى الحدة والاندفاع. لكن حين تصدر من شخصية يُفترض أنها ناضجة سياسيًا وخبيرة بتعقيدات المشهد، فإن الأمر يصبح أكثر إشكالًا وأقل قابلية للتبرير.
في السياسة، النصيحة في غير موضعها آفة، والكلمة التي تُقال في غير وقتها قد تتحول إلى عبء على صاحبها وعلى معسكره السياسي. لذلك فإن الحكمة السياسية لا تقاس بجرأة القول وحدها، بل بقدرة صاحبها على اختيار التوقيت والمقام.
المشكلة الأعمق، وربما المزمنة في الحياة السياسية السودانية، هي ضعف تقدير اللحظة السياسية. فكثير من الساسة يتحدثون وكأن البلاد تعيش ظرفًا عاديًا من التنافس الحزبي، بينما الواقع يقول إن السودان يمر بمرحلة دقيقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الانضباط الوطني في الخطاب والمواقف.
اليوم، تحتاج البلاد إلى كل سواعد أبنائها وبنادقهم الحادبة على مصلحة الوطن لتحرير كردفان ودارفور واستعادة الاستقرار. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمة جزءًا من المعركة: إما أن تكون سندًا للمعركة الوطنية، أو عبئًا عليها.
ولعل الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه الساسة السودانيون هو أن الخطأ في تقدير الكلمة قد يكون أحيانًا أخطر من الخطأ في تقدير الموقف. ففي زمن الأزمات، لا تُقاس الحكمة بكثرة التصريحات، بل بقدرة السياسي على معرفة متى يتحدث… ومتى يصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى