
*الخنساء مجدي* تكتب
*السودان بين ابتزاز القرار الأمريكي وأوهام صمود*
في لحظة تبدو فيها السياسة الخارجية الأمريكية أكثر ارتباكاً من أي وقت مضى يخرج قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً لا على براهين و أدلة دامغة بل كحلقة جديدة في سلسلة القرارات السياسية التي تُدار بعقلية الضغط والابتزاز أكثر مما تُدار بمعايير العدالة والموضوعية
لم يكن القرار هو الحدث الأهم بحد ذاته بقدر ما كانت لافتة ردود الأفعال التي أحاطت به
فالترحيب الصاخب الذي أبدته قوى «قحت» وحلفاؤها في مليشيا الدعم السريع بدا وكأن القرار بالنسبة لهم ليس مجرد خطوة سياسية من دولة أجنبية بل نافذة محتملة للعودة إلى المشهد عبر إضعاف الدولة السودانية وإرباك مؤسساتها وهي قراءة تكشف مرة أخرى أن *صمود* ما زالت تراهن على الضغط الخارجي أكثر مما تراهن على إرادة الداخل
اللافت انهم في محاولة دائمه
لربط ما يجري في الإقليم خاصة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بالسودان وبالواقع السياسي داخله وهي محاولة تعكس قدراً كبيراً من السطحية في قراءة التحولات الإقليمية إذ يتم توظيف صراعات كبرى ومعقدة في إطار معارك داخلية
فالقرار في توقيته ومضمونه يعكس بوضوح حجم التخبط الذي تعيشه الإدارة الأمريكية في تعاملها مع ملفات المنطقة ويكفي النظر إلى المشهد الأوسع: فاوشنطن التي تخوض اليوم صراعاً مفتوحاً مع إيران وتعيش توترات متصاعدة مع عدد من القوى الدولية هذه بحد ذاته يجعل منها
إدارة تتعثر في مستنقعات أزمات دولية معقدة تتزايد كلفتها السياسية والاقتصادية على الداخل الأمريكي
فتبحث عن إنجازات سهلة في ملفات أخرى حتى وإن جاءت على حساب الحقائق أو استقرار الدول
لكن ما يجعل هذا القرار أكثر إثارة للجدل ليس فقط هشاشة مبرراته بل السياق الذي صدر فيه فواشنطن التي تتحدث كثيراً عن مكافحة الإرهاب ظلت في الوقت نفسه تتجاهل بل تتغاضى عن دور الإمارات الموثق في دعم الحرب داخل السودان و المفارقة الصارخة إن القرار الأمريكي يأتي في وقت تتزايد فيه الاتهامات لدول إقليمية بلعب أدوار مباشرة في تغذية الحرب في السودان ومع ذلك تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بتصنيف الخصوم السياسيين بدلاً من مساءلة شبكات الدعم التي ساهمت في إشعال الحرب وتمديد أمدها
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من السودانيين: ما هو تعريف الإرهاب الذي استندت إليه واشنطن في هذا التصنيف؟
هل الإرهاب هو أن تعارض الهيمنة السياسية؟!
أم أن الإرهاب هو أن تقف ضد مشاريع تفكيك الدول وإعادة تشكيلها وفق مصالح القوى الكبرى؟!
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يجد القرار ترحيباً سريعاً من أبواق إعلامية مرتبطة بتلك القوى. فالتصنيف بالنسبة لهم ليس مجرد خطوة سياسية بل أداة جديدة في معركهم التي تهدف إلى إعادة تعريف المشهد السوداني بحيث يصبح كل من يعارض مشاريعهم أو يقف ضد التمرد في خانة “الإرهاب”
فالقرارات من هذا النوع غالباً ما تُستخدم كأدوات ضغط لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدول وليس لمحاربة الإرهاب فعلياً وهي في الحالة السودانية تبدو جزءاً من محاولة أوسع للضغط على الجبهة الداخلية التي ما زالت تمثل سنداً للقوات المسلحة في معركتها ضد التمرد ولفتح نوافذ سياسية لعودة القوى التي تراهن عليها بعض العواصم الإقليمية والدولية
غير أن التاريخ القريب يخبرنا أن مثل هذه القرارات ليست قدراً نهائياً فقد صدرت من قبل تصنيفات وعقوبات مماثلة ضد قوى وحركات لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى أوراق ضغط سياسية أكثر من كونها أحكاماً نهائية على أرض الواقع
ولهذا فان التحدي الحقيقي أمام التيار الوطني في السودان ( بكل اللوان طيفه )
لا يكمن فقط في رفض القرار أو وإدانته بل في التعامل معه بوعي سياسي واستراتيجي فالمعركة هنا *معركة مصالح دولية متشابكة*
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حساس وفي مثل هذه اللحظات تصبح القرارات الخارجية جزءاً من لعبة أكبر لعبة تُدار فيها الأزمات لا بهدف حلها دائماً بل بهدف إبقائها مشتعلة بما يخدم مصالح القوى الكبرى
وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة الوحيده ان السودان لن يخرج من أزمته عبر رهانات الخارج بل عبر وحدة قواه الوطنية وقدرته على تجاوز الأزمات
فهذا البلد الذي نجا مراراً من مشاريع التفكيك لن تحدد مصيره بيانات خارجية ولا رهانات قوى تبحث عن السلطة فوق أنقاضه السودان سيبقى أما الذين يراهنون على إنهاكه فسيكتشفون كما اكتشف غيرهم من قبل أن الوطن أكبر من حساباتهم وأبقى من مشاريعهم المؤقتة فالأوطان لا تُبنى بقرارات تصدر من وراء البحار