مقالات الرأي
أخر الأخبار

عودة “لجنة على بابا”… إعادة تدوير الفشل في ثوب جديد

عودة “لجنة على بابا”… إعادة تدوير الفشل في ثوب جديد

لم يكن ظهور ما يُعرف بلجنة “على بابا” من جديد سوى محاولة بائسة لإعادة تدوير مشهد سياسي فقد صلاحيته منذ سنوات. فبعد غياب دام أكثر من ثلاثة أعوام، تعود ذات الوجوه التي لم تقدّم شيئًا يُذكر، لا على مستوى الفعل السياسي ولا حتى في حدود الخطاب المسؤول، لتطلّ علينا بخطاب قديم، وأدوات مستهلكة، وعقلية لم تغادر مربع الفوضى والعبث.
هذه المجموعة، التي ارتبط اسمها منذ البداية بالضجيج أكثر من الإنجاز، لم تنجح يومًا في تقديم مشروع وطني حقيقي، بل ظلت تدور في فلك الشعارات الجوفاء، وتغذّي حالة الاستقطاب، وتراهن على الفوضى كطريق مختصر للسلطة. واليوم، تعود بنفس النهج والخطاب ، وكأن شيئًا لم يتغير، وكأن السودان لم يدفع ثمنًا باهظًا من دمائه واستقراره نتيجة هذه المغامرات غير المحسوبة.
الأخطر في هذه العودة أنها تأتي في سياق إصرار ذات القوى على التماهي مع مشروع المليشيا، الذي لم يجلب للبلاد سوى الدمار، ونهب الموارد، وتمزيق النسيج الاجتماعي. فبدلًا من مراجعة التجربة والاعتراف بالأخطاء، نجد تكرارًا فجًا لنفس الخطاب، ونفس التحالفات، ونفس الرهان الخاسر.
أما الحديث عن “ملاحقة” فصيل سياسي بعينه، فهو يكشف ضيق الأفق السياسي، والعجز عن تقديم بدائل حقيقية. السياسية لا تُدار بروح الانتقام، ولا تُبنى عبر تصفية الحسابات، بل عبر مشروع جامع يستوعب الجميع ويحتكم إلى القانون والمؤسسات. لكن يبدو أن هذه المفاهيم لا تزال بعيدة عن قاموس هذه المجموعة.
وإذا انتقلنا إلى المشهد الأوسع، فإن تجربة تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) تمثل نموذجًا صارخًا لهذا الفشل المتكرر. فمنذ وصولها إلى سدة المشهد بعد الثورة، عجزت عن إدارة الدولة، وفشلت في تحقيق الحد الأدنى من التوافق الوطني، وانشغلت بصراعات داخلية أنهكتها وأفقدتها ثقة الشارع. كما لم تستطع أن تقدم رؤية اقتصادية أو أمنية تُخرج البلاد من أزماتها، بل ساهمت سياساتها المرتبكة في تعميق الانهيار.
تكرار الفشل لم يكن عرضًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لغياب المشروع، وضعف الكفاءة، وارتهان القرار السياسي لأجندات خارجية. ولذلك، فإن عودة ذات الوجوه، بنفس الأدوات، لا يمكن قراءتها إلا كإصرار على إعادة إنتاج الأزمة، لا حلها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: بأي شرعية تعود هذه المجموعة؟ ومن أين تستمد حقها في الحديث باسم الشعب، وهي التي فقدت صلتها به، حتى في المنافي، حيث واجهت رفضًا صريحًا وهتافات غاضبة؟
إن أي حديث عن عودة سياسية جادة كان يفترض أن يبدأ من الداخل، من بين الناس، من مواجهة الواقع لا الهروب منه. كان يفترض أن يحمل مراجعة صادقة، واعترافًا بالأخطاء، ورؤية جديدة تنطلق من مصلحة السودان أولًا. لكن ما نراه اليوم لا يعدو كونه استعراضًا إعلاميًا، ومحاولة لإعادة التموضع دون تغيير حقيقي.
في النهاية، يتأكد يومًا بعد يوم أن من يقدّمون أنفسهم كقوى سياسية، ليسوا سوى أدوات يتم تحريكها عند الحاجة، بلا مشروع، بلا ثوابت، وبلا انتماء حقيقي لهذا الوطن. والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم من يكرر أخطاءه… ولا يغفر لمن يراهن على الفوضى طريقًا للسلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى