رسالة مفتوحة إلى والي ولاية الخرطوم عطش الحارة 95 بين التعطيل وسوء التقدير بقلم: إدريس هشابه

رسالة مفتوحة إلى والي ولاية الخرطوم
عطش الحارة 95 بين التعطيل وسوء التقدير
بقلم: إدريس هشابه
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتضيق فيه سبل العيش على المواطن البسيط، تبرز بعض الممارسات التي لا يمكن وصفها إلا بأنها استخفافٌ بمعاناة الناس، أو عجزٌ فادح عن تقدير أولوياتهم. ما يحدث في الحارة 95 الإسكان (كرري) نموذجٌ صارخ لذلك.
مع تصاعد ساعات انقطاع الكهرباء في الخرطوم، وما يترتب عليه من توقف محطات المياه، تعيش الحارة 95 حالة عطش غير مسبوقة، وفقاً لشهادات المقيمين هناك. الأسر تبحث عن قطرة ماء، والأطفال والمرضى يدفعون الثمن يومياً، بينما الحل—المتاح والجاهز—مُعطَّل بلا مبرر.
المفارقة المؤلمة أن بالحارة محطة طاقة شمسية جديدة، كان يمكن أن تنهي هذه المعاناة فوراً، لكنها ظلت خارج الخدمة. السبب؟ انتظار “التدشين الرسمي”! وكأن الماء رفاهية تُؤجل، أو خدمة تُربط بموعد احتفالي، لا ضرورة حياتية عاجلة.
أي منطق هذا الذي يقدّم المراسم على حياة الناس؟ وأي مسؤول ذاك الذي يجمّد مرفقاً حيوياً حتى تكتمل صورة المشهد أمام الكاميرات؟
ما يزيد الأمر خطورة أن هذا القرار—بحسب ما يتداول وسط الأهالي—صادر عن رئيس اللجنة الإدارية بالحارة، الذي اختار تعطيل المرفق إلى حين حضور الجهات الرسمية. وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: هل يتصرف هذا المسؤول من تلقاء نفسه؟ أم أن هناك فهماً خاطئاً—أو توجيهاً ملتبساً—يجعل بعض الإدارات المحلية تعتقد أن الخدمة لا تُقدَّم إلا تحت الأضواء؟
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن سوابق مثيرة للقلق، إذ تشير روايات متداولة وسط المواطنين إلى أن رئيس الوحدة الإدارية ذاته سبق أن وُضع تحت الحراسة في قضايا مالية، بناءً على شكاوى من مواطنين، ولم يُفرج عنه إلا بكفالة مالية، دون أن تتضح حتى اليوم نتيجة تلك القضية. مثل هذه الوقائع—إن ثبتت صحتها—تطرح تساؤلات جدية حول معايير اختيار المسؤولين المحليين، ومدى خضوعهم للمساءلة والمراجعة.
الأخطر من ذلك، ما يتردد حول ذات المسؤول من شبهات أخرى تتعلق بسوء إدارة موارد مخصصة للمواطنين، تحديداً أموال دعم إنساني، حيث وُجّهت—بحسب روايات موثوقة—لغير مستحقيها، وحُرم منها من هم في أمسّ الحاجة إليها. مثل هذه الاتهامات، إن صحت، لا تقف عند حدود التقصير الإداري، بل تمس جوهر العدالة، وتستوجب تحقيقاً شفافاً لا لبس فيه.
المعروف عنكم، سعادة الوالي، أنكم في خضم هذه الحرب قدّمتم نموذجاً في السعي لتثبيت الخدمات، وتحملتم مسؤوليات جسام في ظروف معقدة. لذلك، من غير المعقول أن يُنسب إليكم مثل هذا السلوك، أو أن تُحجب عن المواطنين خدمة أساسية بانتظار لحظة بروتوكولية.
سعادة الوالي،
هذه ليست شكوى عابرة، بل مظلمة حقيقية. مواطنون عطشى، خدمة جاهزة مُعطلة، وإدارة محلية تتصرف بمعزل عن أبسط معايير المسؤولية. المطلوب ليس فقط تشغيل محطة، بل مراجعة شاملة لأداء هذه اللجان، ووضع حد لأي سلطة تُستخدم ضد الناس بدلاً من خدمتهم.
الخرطوم اليوم لا تحتمل ترف الأخطاء الصغيرة، لأن نتائجها كبيرة وقاسية. والناس لا يريدون احتفالات، بل يريدون ماءً يصل إلى بيوتهم، وكرامةً تُصان.
التاريخ لا يُكتب من منصات التدشين، بل من مواقف تُنصف الضعفاء في الوقت المناسب.
والكلمة الآن عندكم.