مؤسسات التعليم العالي في السودان .. صمود يستحق الشكر والتقدير بقلم / هند بشارة

مؤسسات التعليم العالي في السودان .. صمود يستحق الشكر والتقدير
بقلم / هند بشارة
في أوقات الأزمات الكبرى، تظهر المعادن الحقيقية للمؤسسات الوطنية، ويتجلى دورها في حماية المجتمع والحفاظ على تماسكه وصون مستقبله. ومن بين هذه المؤسسات، برزت مؤسسات التعليم العالي في السودان بوصفها واحدة من أهم الجهات التي تحملت مسؤولية كبيرة في ظل ظروف الحرب، وسعت بكل جد واجتهاد إلى مواصلة رسالتها العلمية والوطنية رغم التحديات الجسيمة التي فرضتها المرحلة.
لقد ألقت الحرب بظلالها القاسية على السودان، وأثرت بصورة مباشرة على مختلف القطاعات، وكان التعليم العالي من أكثر المجالات التي واجهت صعوبات كبيرة، سواء بسبب تضرر البنية التحتية لبعض الجامعات، أو تعطل الدراسة لفترات متفاوتة، أو نزوح عدد من الطلاب والأساتذة والعاملين، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والإدارية المعقدة التي صاحبت هذه الأزمة. ومع ذلك، فإن مؤسسات التعليم العالي لم تقف موقف المتفرج، بل تحركت بمسؤولية عالية من أجل الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية وتخفيف آثار الحرب على الطلاب ومستقبلهم الأكاديمي.
ومن أبرز الأدوار الإيجابية التي قامت بها هذه المؤسسات، حرصها على استمرار الدراسة بكل الوسائل الممكنة، من خلال إعادة ترتيب الجداول الأكاديمية، وتبني بدائل مناسبة للتدريس، والاستفادة من التعليم الإلكتروني في بعض الحالات، إلى جانب نقل بعض الأنشطة الأكاديمية إلى ولايات أكثر أمناً. وقد عكست هذه الخطوات روحاً عالية من المرونة والقدرة على التكيف، كما أكدت أن مؤسسات التعليم العالي في السودان ليست مجرد منشآت جامدة، بل هي مؤسسات حية تمتلك الإرادة والرؤية لمواجهة الظروف الاستثنائية.
كما لعبت إدارات الجامعات وأعضاء هيئة التدريس دوراً محورياً في هذه المرحلة، إذ بذلوا جهوداً كبيرة من أجل متابعة الطلاب، واستكمال المقررات، وتنظيم الامتحانات متى ما توفرت الظروف المناسبة، مع مراعاة ما فرضته الحرب من أوضاع إنسانية ونفسية صعبة على الجميع. وكان هذا الدور مهماً للغاية، لأنه أسهم في حماية آلاف الطلاب من الضياع الأكاديمي، وأبقى الأمل قائماً في نفوس الأسر السودانية التي تنظر إلى التعليم بوصفه الطريق الأهم لبناء المستقبل.
ولم يقتصر الأثر الإيجابي لمؤسسات التعليم العالي على الجانب الأكاديمي فقط، بل امتد ليشمل جانباً وطنياً ومجتمعياً بالغ الأهمية. فالجامعات، بما تضمه من كوادر علمية وخبرات متخصصة، ظلت تمثل مساحة للعقلانية والانضباط المؤسسي في وقت كثرت فيه الاضطرابات. كما أن استمرارها في أداء رسالتها، ولو بالحد الأدنى الممكن، بعث برسالة مهمة مفادها أن الدولة والمجتمع ما زالا يمتلكان القدرة على الصمود، وأن مؤسسات البناء والمعرفة يمكنها أن تبقى حاضرة حتى في أصعب الظروف.
ومن الجوانب الإيجابية كذلك، أن مؤسسات التعليم العالي ساعدت في ترسيخ قيمة الصبر والمثابرة لدى الطلاب والطالبات، إذ تعلم كثير منهم كيف يواصلون مسيرتهم التعليمية وسط الظروف المعقدة، وكيف يتمسكون بحقهم في التعلم رغم النزوح والقلق وصعوبة الحياة اليومية. وهذه ليست مسألة تعليمية فقط، بل هي أيضاً تربية وطنية وإنسانية تعزز من قوة المجتمع وقدرته على تجاوز الأزمات.
ولا يمكن إغفال الجهود التي بُذلت على مستوى التنسيق والإشراف من أجل المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار في هذا القطاع الحيوي، حيث سعت الجهات المعنية إلى معالجة العقبات الإدارية والأكاديمية، والعمل على إعادة تنظيم الدراسة، وتهيئة السبل التي تمكن مؤسسات التعليم العالي من مواصلة دورها، لأن توقف التعليم في مثل هذه الظروف لا يعني فقط تعطيل الدراسة، بل يعني أيضاً تهديد مستقبل جيل كامل.
إن ما قدمته مؤسسات التعليم العالي في السودان خلال فترة الحرب يستحق التقدير والاعتراف، لأنها أثبتت أن رسالتها لا تتوقف عند حدود القاعات الدراسية والشهادات العلمية، بل تمتد لتشمل حماية الوعي الوطني، وصون آمال الشباب، والإسهام في تثبيت دعائم المجتمع في لحظات التحدي. فقد كانت هذه المؤسسات، وما تزال، جزءاً من قوة السودان الناعمة، وعنواناً لإرادة الحياة في وجه الدمار.
ختاماً، فإن الحديث عن الدور الإيجابي لمؤسسات التعليم العالي في السودان رغم ظروف الحرب هو حديث عن مؤسسات حملت رسالتها بوعي ومسؤولية، ورفضت أن تستسلم للواقع الصعب، واختارت أن تواصل العطاء بما توفر لها من إمكانات. وهذا الدور ينبغي أن يقابل بالمساندة والدعم والتقدير، لأن التعليم العالي ليس فقط قطاعاً خدمياً، بل هو ركيزة أساسية في بقاء الدولة وتعافيها وبناء مستقبلها.