مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين يترجل الأبطال… ويبقى الأثر بقلم :إدريس هشابه

حين يترجل الأبطال… ويبقى الأثر

بقلم :إدريس هشابه

التاريخ، في جوهره الصارم، لا يخلّد الضجيج ولا يحفظ صدى الكلمات العارية من الفعل؛ إنما ينحاز دائماً لأولئك الذين كتبوا سطوره بعرقهم ودمائهم، وتركوا بصماتهم في وجدان الشعوب قبل صفحات الكتب. فالأبطال الحقيقيون لا يمرّون عابرين، بل يعبرون إلى الخلود من بوابة المواقف.
وفي تقديري، فإن العميد طبيب طارق الهادي كيجاب واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يقولوا، بل فعلوا، ولم يكتفوا بأن يظهروا، بل أثّروا. جاء حضوره في معركة الكرامة مختلفاً، لا صخب فيه ولا ادعاء، وإنما فعلٌ صامتٌ يتكلم ببلاغة: طبيبٌ في السلاح الطبي، ينحني على جراح المصابين، يربّت على الألم، ويعيد للحياة نبضها، ثم ينهض في الفضاء العام صوتاً مطمئناً، يزرع في الناس بذور الثبات، ويواجه حملات التضليل بوعي ومسؤولية.
لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان – في لحظة اختناق وطني – ضميراً متقدماً، وسهماً مصوباً نحو الحقيقة، في وجه آلة إعلامية تعج بالضجيج والتزييف. كانت كلماته في بثوثه المباشرة أشبه بنوافذ للضوء، كلما أظلم المشهد، وكلما اشتدت العاصفة، فتحت للناس كوة أمل، وأعادت ترتيب المعنى وسط الفوضى.
لم تجمعني به معرفة شخصية، لكن ثمة رجالاً تعرفهم الأرواح قبل الأسماء، وتأنس إليهم المواقف قبل اللقاءات. ظلّت صورته وكلماته حاضرة في الذهن، محفزة في أوقات الشدة، وكأنها تقول: “هكذا يكون الانتماء… وهكذا تُصان الأوطان”.
واليوم، وهو يترجل عن موقعه بإنهاء خدمته وإنزال رتبته للصالح العام، لا ينتهي حضوره، بل يبدأ طور آخر من البقاء؛ فالأبطال لا تغادرهم أدوارهم، وإنما تتبدل ساحاتهم. وما يُكتب بالفعل لا تمحوه القرارات، وما يُغرس في ذاكرة الناس لا تقتلع جذوره تبدلات المواقع.
لقد غادر الموقع، لكنه لم يغادر المعنى. وغابت الرتبة، لكن بقيت القيمة. وتلك هي معادلة الخلود التي لا تخطئ: أن تكون حيث يجب أن تكون، وأن تفعل ما يجب أن يُفعل، في الوقت الذي يتراجع فيه الآخرون.
سيظل اسم طارق الهادي كيجاب عالقاً في الذاكرة، لا لأن التاريخ كريم، بل لأنه عادل؛ لا يمنح الخلود إلا لمن استحقوه بالفعل قبل القول. وفي زمن تختلط فيه الأصوات، وتبهت فيه المعايير، يظل أمثال هؤلاء علاماتٍ فارقة، تُقاس بها المواقف، وتُستعاد بها الثقة في معنى البطولة.
هكذا يُكتب التاريخ… لا بالحبر وحده، بل بدمٍ يعرف طريقه إلى الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى