بين صمت الداخل وضجيج الخارج… قضية الهلال تكشف عطب المنظومة الكروية بقلم: إدريس هشابه

بين صمت الداخل وضجيج الخارج… قضية الهلال تكشف عطب المنظومة الكروية
بقلم: إدريس هشابه
لم تكن قضايا كرة القدم ضمن أولوياتي، لكن عشقي لـالهلال السوداني ظل استثناءً جميلاً يفرض حضوره كلما دار الحديث عن المستطيل الأخضر. هذا العشق تضاعف خلال سنوات الحرب، حين تحوّل الهلال إلى قصة صمود نادرة، متحدياً ظروف النزوح ومرارة الغربة، متنقلاً بين ملاعب موريتانيا ورواندا، برفقة شقيقه المريخ السوداني، في مشهد يعكس إرادة لا تلين.
ورغم قسوة الظروف، لم يكن الهلال مجرد مشارك، بل منافس شرس تصدّر الدوريات التي خاضها، وفرض نفسه رقماً صعباً في البطولة الأفريقية، متفوقاً على أندية عريقة مثل ماميلودي صنداونز ومولودية الجزائر والترجي الرياضي التونسي. ظاهرة كروية استثنائية استحقت اهتمام الإعلام الدولي، وأعادت طرح سؤال: كيف لفريق يعيش كل هذه التحديات أن يواصل التألق؟
غير أن الإجابة المؤلمة بدأت تتكشف في محطة ربع النهائي، حين واجه الهلال فريق نهضة بركان. إذ أشرك الفريق المغربي لاعباً موقوفاً بقرار من لجنة الانضباط التابعة لـالاتحاد الإفريقي لكرة القدم بسبب تعاطيه مواد محظورة. وهي مخالفة جسيمة لا تقبل التأويل، إذ إن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم واضحة وصارمة في هذا الشأن.
والمفارقة الصادمة أن اللاعب نفسه كان عنصراً مؤثراً في مجريات المواجهتين، متسبباً في ركلتي جزاء حاسمتين، في مباراتين شابهما كثير من الجدل التحكيمي، ما ألقى بظلال كثيفة من الشك حول نزاهة المنافسة وعدالة القرارات.
الهلال تقدّم بشكوى رسمية، مستنداً إلى نصوص واضحة وأدلة دامغة، غير أن رد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم جاء على هيئة صمت ثقيل ومماطلة امتدت لأكثر من أحد عشر يوماً. صمت لا يمكن تفسيره إلا بوصفه محاولة لشراء الوقت، وفرض أمر واقع يمنح الفريق المخالف فرصة الإفلات من العقوبة التي قد تصل إلى اعتباره خاسراً.
في المقابل، لم يكن المشهد كله قاتماً؛ إذ تحركت أصوات خارجية دعماً للعدالة، حيث تقدمت اتحادات مثل الاتحاد الموريتاني لكرة القدم والاتحاد الرواندي لكرة القدم بمذكرات رسمية تطالب بإنصاف الهلال وتسريع البت في القضية. موقف يعكس وعياً مؤسسياً بأهمية سيادة القانون الرياضي.
لكن، وعلى نحو يثير الدهشة والاستياء، غاب الصوت الأهم: صوت الاتحاد السوداني لكرة القدم. لم يصدر بيان، ولم يُسمع موقف، وكأن الأمر لا يعنيه، في وقت كان يُفترض فيه أن يكون في مقدمة المدافعين عن حقوق أحد أبرز أنديته.
هذا الصمت يفتح الباب واسعاً للتساؤلات، خاصة في ظل الحديث عن تضارب المصالح داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث يُشار إلى نفوذ فوزي لقجع، رئيس الاتحاد المغربي، والذي يُقال إنه يملك تأثيراً مباشراً على ترتيبات السفر والإقامة للاتحادات الوطنية بحكم موقعه داخل الكاف. وهي معطيات، إن صحت، تعكس خللاً بنيوياً في منظومة يفترض أن تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص.
إن ما جرى لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل هو عرض لأزمة أعمق تعاني منها الكرة الأفريقية: أزمة حوكمة، وتداخل مصالح، وضعف مؤسساتي، يجعل من العدالة خياراً انتقائياً لا قاعدة ثابتة.
قضية الهلال اليوم ، هي اختبار حقيقي لمصداقية المؤسسات الكروية في القارة. فإما أن تنتصر القوانين وتُحترم اللوائح، أو تستمر لعبة المصالح في تقويض ما تبقى من ثقة الجماهير.
وفي خضم هذا كله، يبقى الهلال—بكل ما مثّله من صمود—أضحى قصة وطن يقاوم، وصورة شعب يرفض الانكسار، حتى وإن خذلته مؤسساته.