مقالات الرأي

الاستقلال… حين يعود التاريخ في هيئة امتحان بقلم إدريس هشابه

الاستقلال… حين يعود التاريخ في هيئة امتحان
بقلم :إدريس هشابه

تجيء ذكرى الاستقلال هذا العام والسودان يعيش واحدة من أدق لحظاته التاريخية، لحظة تختبر معنى الدولة، وقيمة السيادة، وحدود الصبر الوطني. ليست ذكرى عابرة ولا طقسًا احتفاليًا، بل محطة وعي ومراجعة، في زمنٍ يعاد فيه تعريف الوطن وسط ركام الحرب ودماء الأبرياء.
لقد مضت البلاد، رغم الجراح، في طريق استعادة ذاتها، وهي تمضي بثبات نحو تطهير الأرض من دنس تمرد المليشيا، المدعومة من نظام أبوظبي، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولًا قديمة من الصراع على القرار الوطني. وما أشبه الليلة بالبارحة، فالتاريخ لا يكرر نفسه عبثًا، بل يختبر الشعوب في قدرتها على التعلم من دروسه.
وفي هذا السياق، لم تكن بورتسودان مجرد عاصمة مؤقتة أو ملاذ إداري فرضته ظروف الحرب، بل تحولت إلى رمز للصمود الوطني، ومختبر حي لوحدة السودانيين. فيها التقت الوجوه من كل الجهات، وذابت الفوارق تحت وطأة الألم المشترك، فبان جوهر السودان الحقيقي: وطن يتسع بأهله حين تضيق بهم الجغرافيا.
إن الاستقلال، في معناه العميق، ليس حدثًا مؤرخًا في كتب التاريخ فحسب، بل مشروعًا متجددًا، يكتمل حين يُحترم القانون، وتسود العدالة، وتُصان كرامة الإنسان. ومن هنا، ينبغي أن تكون هذه الذكرى محطة لإعادة ترتيب الأولويات، واستقبال مرحلة جديدة من القرار الوطني المستقل، لا رهينة للوصاية ولا خاضعة للابتزاز الإقليمي.
كما أن المعركة اليوم لا تقتصر على البندقية وحدها، بل تمتد إلى معركة الوعي والإصلاح. إصلاح يبدأ من الفرد، مرورًا بالأسرة، وصولًا إلى المجتمع والدولة، حتى لا نعيد إنتاج علل الماضي بأسماء جديدة. فلا دولة قوية بلا مجتمع معافى، ولا سيادة حقيقية دون عدالة ومساءلة.
إن السودان، وهو يخطو خارج نفق الحرب، أحوج ما يكون إلى وقفة صادقة مع الذات، وإرادة جماعية تبني ولا تنتقم، تُصلح ولا تُجامل، وتؤسس لوطنٍ يتسع للجميع تحت مظلة القانون.
في ذكرى الاستقلال، نستحضر المعنى لا الشعارات، ونستقبل المستقبل بوعيٍ أشد، لأن الأوطان لا تُحفظ بالذاكرة وحدها، بل بالفعل المسؤول، والقرار الحر، والإرادة التي لا تنكسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى