
قرار صائب… لكن متأخر: الكهرباء واختبار الثقة مع المواطن
بقلم :إدريس هشابه
أصدر وزير الطاقة قرارًا قضى بإلغاء الزيادة المفروضة على خدمات الكهرباء، وهو قرار وجد ترحيبًا واسعًا لدى الرأي العام السوداني، بعد موجة رفض كبيرة قادها مواطنون يرزحون تحت أعباء اقتصادية خانقة، فرضتها حرب طال أمدها، وألقت بتداعياتها الثقيلة على مجمل الأوضاع المعيشية.
لا شك أن القرار في جوهره إيجابي، ويستحق الوزير عليه الإشادة، لكونه استجاب لصوت الشارع، وأدرك حساسية المرحلة وتعقيداتها. غير أن الإشادة وحدها لا تكفي، إذ يظل السؤال المشروع مطروحًا: لماذا لا تُدرس مثل هذه القرارات قبل صدورها؟ ولماذا لا يُستصحب الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين في غرف صناعة القرار، بدلًا من انتظار الرفض الشعبي للتراجع؟
فالبلاد تمر بظرف استثنائي، تتقاطع فيه الحرب مع الانكماش الاقتصادي، وتتآكل فيه الدخول، وتغيب فرص العمل، وتتوقف المصانع أو تعمل بأقل من طاقتها، بينما لا تفي الرواتب – إن وُجدت – بأبسط الالتزامات اليومية للموظفين. في مثل هذا السياق، يصبح أي عبء إضافي على المواطن بمثابة اختبار قاسٍ لقدرته على الصمود.
وتزداد تعقيدات المشهد حين ننظر إلى العلاقة المتوترة أصلًا بين قطاع الكهرباء والمواطنين، خاصة بعد فرض غرامات مفاجئة شملت كل المنازل بلا استثناء، بذريعة استخدام ما يُعرف بـ«الجبادات» خلال فترة توقف التحصيل، وهي فترة فرضتها ظروف قاهرة عقب احتلال المليشيا لمنازل المواطنين وتدنيسها. والمفارقة المؤلمة أن هذه الغرامات طالت حتى من غادروا منازلهم قسرًا، بما في ذلك المناطق اللآمنة في أم درمان، هربًا من بطش الحرب لا تهربًا من الالتزام.
وإذا سلّمنا – جدلًا – بأن الدولة لا تملك حلولًا مالية عاجلة سوى اللجوء إلى جيوب المواطنين، فإن الحد الأدنى من العدالة يقتضي أن تُفرض أي جبايات بشروط ميسّرة، وبأقساط مريحة، عبر مبالغ رمزية تُضاف إلى الفاتورة الشهرية، بما لا يرهق المواطن ولا يقطع خيط الثقة الهش بينه وبين مؤسسات الدولة.
إن الشعب السوداني يعيش اليوم حالة وعي وطني متقدمة، تعززت عقب حرب الكرامة، وهو شعور ينبغي على المؤسسات المدنية أن تستثمره إيجابيًا، لا أن تهدره بقرارات فوقية تعيد إنتاج العقلية القديمة في إدارة العلاقة مع المواطن. المطلوب ليس فقط تحصيل رسوم، بل إعادة تعريف العلاقة بين مقدم الخدمة والمتلقي، وبناء صورة ذهنية جديدة قوامها الشفافية، والعدالة، والإحساس بالشراكة في تحمل الأعباء.
إن قرار إلغاء الزيادة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُستكمل بمراجعة شاملة لسياسات قطاع الكهرباء، وآليات اتخاذ القرار داخله، وكيفية تعاطيه مع المواطن بوصفه شريكًا في الوطن، لا مجرد رقم في فاتورة.
فالمرحلة الراهنة لا تحتمل قرارات مرتجلة، بل تتطلب رؤية سياسية واقتصادية حساسة لوجع الناس، ومدركة أن استعادة الدولة لا تبدأ من الجباية، بل من استعادة الثقة.


