التعدين كقاطرة للاقتصاد الوطني: قراءة في المنجزات الاستثنائية واستشراف آفاق 2026م

التعدين كقاطرة للاقتصاد الوطني: قراءة في المنجزات الاستثنائية واستشراف آفاق 2026م
بقلم الدكتور/ محمد عوض محمد متولي
مقدمة: التحول الهيكلي من “مورد خام” إلى “ركيزة اقتصادية”
يمر الاقتصاد السوداني في ختام عام 2025م بمنعطف تاريخي تجسد في الطفرة غير المسبوقة لقطاع التعدين، وخاصة الذهب. إن تحقيق إيرادات بلغت ترليون و87 مليار جنيه، وبلوغ الإنتاج عتبة 70 طناً بنسبة إنجاز 113%، ليس مجرد أرقام إحصائية، بل هو مؤشر سوسيواقتصادي على نجاح الدولة في استعادة السيطرة على مواردها السيادية وتوظيفها في شريان الاقتصاد الكلي رغم التحديات الجيوسياسية والأمنية. هذا التحول يمثل انتقالات من “عقلية الجباية” إلى “عقلية الإدارة الاستراتيجية للموارد”.
*أولاً: التحليل المنهجي للمؤشرات الاقتصادية لعام 2025م (التشريح البنيوي)*
إن القفزة التي تحققت في العام الحالي لم تكن وليدة الصدفة، بل تعود إلى عدة مرتكزات بنيوية ومنهجية عملت بتناغم:
كفاءة الإنتاج والاستخلاص: الوصول إلى 70 طناً كأعلى معدل في خمس سنوات يعكس تحسناً ملموساً في تقنيات التعدين وتوسيع الرقعة الاستكشافية. علمياً، هذا يعني نجاح الدولة في تقليص “الفاقد التقني” وزيادة معدلات الاسترداد من الخام، فضلاً عن تقنين جزء كبير من تعدين الشركات والتعدين التقليدي وتحويله من النشاط غير الرسمي إلى المظلة الرسمية للدولة.
تعظيم الإيرادات السيادية: بلوغ الإيرادات حاجز “الترليون جنيه” يعزز من قدرة الموازنة العامة على خفض العجز الهيكلي. هذا التدفق النقدي وفر “غطاءً سيادياً” مكن البنك المركزي من كبح جماح التضخم وتوفير غطاء نقدي يدعم استقرار العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية.
تجاوز المستهدف المخطط: تحقيق نسبة 113% يثبت مرونة القطاع وقدرته على “امتصاص الصدمات” الاقتصادية والسياسية، وتحويل التهديدات الأمنية في بعض المناطق إلى فرص إنتاجية عبر تكثيف العمل في المناطق المستقرة وتأمين خطوط الإمداد.
*ثانياً: رؤية 2026.. استراتيجية “الرقمنة والحوكمة” (التوسع المنهجي)*
تنتقل خطة العام القادم من مرحلة “زيادة الإنتاج الكمي” إلى مرحلة “جودة الإدارة واستدامة المورد”، وترتكز هذه الرؤية على المحاور العلمية التالية بالتفصيل:
1. الرقمنة الشاملة (Digital Transformation):
لم يعد التحول الرقمي ترفاً، بل ضرورة لحماية المورد من التهريب والفاقد الاقتصادي. تهدف خطة 2026 إلى:
نظام التتبع الإلكتروني (Gold Traceability): لمراقبة حركة الذهب من لحظة خروجه من مواقع الإنتاج إلى مصفاة الخرطوم للذهب وصولاً إلى منافذ التصدير. هذا النظام يمنع “التسرب المالي” ويضمن دخول كل جرام في الدورة المصرفية.
النافذة الموحدة (Single Window): لتبسيط الإجراءات الاستثمارية وتقليل البيروقراطية، مما يعزز من “سهولة ممارسة الأعمال” ويقلل “تكلفة المعاملات” للمستثمرين الوطنيين والأجانب.
2. حوكمة الأداء وتعزيز الرقابة:
تطبيق معايير الحوكمة يضمن التوزيع العادل للموارد وتجنب “لعنة الموارد”:
الشفافية المالية: ربط تحصيل الرسوم والأنصبة الحكومية بأنظمة دفع إلكترونية لحظية تمنع التدخل البشري وتقلل من فرص الفساد الإداري.
الرقابة الميدانية الذكية: تفعيل دور الأجهزة الرقابية عبر تقنيات الاستشعار عن بعد لمراقبة الالتزام بالعقود والاتفاقيات المبرمة مع شركات الامتياز، وضمان عدم تجاوز المساحات المخصصة.
3. السلامة البيئية والمسؤولية المجتمعية (التعدين الأخضر):
يمثل التعدين الأخضر تحدياً استراتيجياً لمواكبة المعايير الدولية:
تقليل استخدام المواد السامة: خطة 2026 تستهدف الإحلال التدريجي للزئبق والسيانيد عبر تبني تقنيات استخلاص فيزيائية وكيميائية صديقة للبيئة، مما يرفع من جودة الذهب السوداني في الأسواق العالمية.
تنمية المجتمعات المحلية: ضمان توجيه نسب مقدرة من أرباح التعدين لمشاريع التنمية المستدامة (صحة، تعليم، مياه) في مناطق الإنتاج لخلق “بيئة حاضنة للإنتاج” وضمان الأمن الاجتماعي وتقليل النزاعات حول الموارد.
*ثالثاً: المشاريع القومية.. التحول نحو “التصنيع التعديني” (تعظيم القيمة المضافة)*
تتضمن موازنة 2026 إدراج مشاريع قومية كبرى تهدف إلى تغيير هوية القطاع من “تصدير الخام” إلى “دولة صناعية تعدينية”:
تطوير مصفاة الذهب: الوصول إلى المعايير العالمية (London Good Delivery) يضمن تسعير الذهب السوداني بالأسعار العالمية دون خصومات فنية، ويسمح باستخدامه كاحتياطي نقدي دولي معترف به.
مشروع المسح الجيولوجي الشامل: استخدام الطائرات والمسح المغناطيسي لرفع درجة التأكد من الاحتياطيات المعدنية (ذهب، نحاس، معادن أرضية نادرة). علمياً، امتلاك “البيانات المؤكدة” يرفع القيمة السوقية لامتيازات التعدين السودانية في البورصات العالمية ويقوي الموقف التفاوضي للدولة.
شراكات الاستثمار الأجنبي النوعي: استقطاب كبريات شركات التعدين العالمية (Tier 1) التي تمتلك التكنولوجيا والتمويل، مما يسهم في نقل المعرفة وتطوير الكوادر الوطنية وخلق صناعات تحويلية مرتبطة بالمعادن الأخرى.
*رابعاً: الأثر المتوقع والتوصيات التنفيذية (الاستشراف المالي 2026م)*
من المتوقع أن يؤدي تنفيذ هذه الخطة الممنهجة في 2026م إلى نتائج ملموسة على معيشة المواطن:
استقرار سعر الصرف: من خلال تدفقات النقد الأجنبي المنتظمة الناتجة عن الصادرات الرسمية والمصفيّة محلياً.
خلق فرص العمل: استيعاب آلاف الخريجين ليس فقط في المناجم، بل في المهن الهندسية، التقنية، المالية، واللوجستية المرتبطة بالقطاع.
تنمية الأقاليم: تحويل مناطق التعدين من مناطق “طاردة” إلى مراكز نمو اقتصادي متكاملة تمتلك بنية تحتية وطرقاً وخدمات.
*توصيات تنفيذية لصناع القرار* :
الإسراع في إكمال الربط الشبكي بين وزارة المعادن، البنك المركزي، والجمارك.
تأسيس “بورصة الذهب السودانية” لتكون المنصة الرسمية والوحيدة للتداول.
تكثيف الاستثمار في الكادر البشري عبر مراكز تدريب متخصصة في تكنولوجيا التعدين الحديثة.
*الخاتمة:*
إن قطاع التعدين في السودان اليوم ليس مجرد نشاط استخراجي، بل هو الرهان الاستراتيجي الأول لتحقيق النهضة الاقتصادية الشاملة. إن نجاح عام 2025 يضعنا أمام مسؤولية عظيمة لتنفيذ طموحات 2026، والتي تهدف في جوهرها إلى تحويل “المعدن النفيس” إلى “تنمية مستدامة” تلمس حياة المواطن السوداني وتضع البلاد في مصاف الدول المتقدمة اقتصادياً.
حفظ الله السودان وأهله،،



