مقالات الرأي

الخرطوم… حين تكشف العودة ما أخفته الحرب.. بقلم د. إسماعيل الحكيم

*الخرطوم… حين تكشف العودة ما أخفته الحرب.. بقلم د. إسماعيل الحكيم..* _Elhakeem.1973@gmail.com_
إنّ للحروب.. بقايا.. مؤجلة.. ولها خبايا لن تتكشف إلا.. بوطء الأقدام عند محطات النهايات حيث المستقر والأمان.. وفي أوّل إسفارٍ عن وجه العودة إلى الخرطوم، علم الناس ـ كلّ الناس ـ أن للحرب وجوهاً لا تظهر ساعة القتال، بل تتكشّف لاحقاً، حين يهدأ الضجيج، ويبدأ الصمت في الكلام.
تداول العائدون من الصحفيين ومن قلب مطار الخرطوم.. خبراً مفجعاً عن تحطّم طائرة تتبع للخطوط السعودية، كان على متنها مئات الركّاب، نجا منهم القليل. حادثة وقعت في أيام الحرب الأُوُلُ، سواء في تفاصيلها الدقيقة أو في رمزيتها الثقيلة، أعادت إلى الذاكرة الجمعية شيئاً من خبايا الحرب، وما لم تفصح عنه أيام الاقتتال العلني. وكأن الخرطوم، وهي تستقبل أبناءها العائدين، تهمس لهم: ليست كل الجراح قد أُغلقت، وليست كل الآلام قد قيلت.
العودة إلى الديار، كما يبدو، لا تأتي دائماً ممهورة بالطمأنينة الخالصة ولا بكل الفرح المُتَبقِي فقد يشوبها ألمٌ مدسوس، أو وجعٌ متخفٍّ ينتظر سنواتٍ ليظهر. تلك هي طبيعة جراح الحروب لمن لا يعرف.. لا يتوقّف نزيفها عند إعلان النصر، بل يظل بعضها كامناً، يطفو عند أول تماس مع الذاكرة، أو أول خبرٍ يوقظ الخوف القديم.
ومع ذلك، لم يتوقف هذا النزيف إلا حين ترفع رايات الانتصار عاليةً، خفّاقةً في البيوت والشوارع، كإعلانٍ صريح بأن هذه الأرض، مهما أثقلها الألم وانهكتها الصراعات ، لا تُسلَّم لمخططات الليل. فما نراه اليوم ليس سوى بقايا مخططٍ مشؤوم، حيك في الظلام، واستهدف أهل السودان في أغلى ما يملكون بعد دينهم.. ألا وهي هويتهم، وذاكرتهم، ومعنى انتمائهم لهذه الأرض.
إنها حرب العصر، بصورتها العالمية الجديدة، التي كُتبت فصولها على شعبٍ من أعرق شعوب هذا الكوكب خلقاً واعلاهم منزلة.. شعبٍ عُرف عبر تاريخه بمكارم الأخلاق، ونبل المقصد، وسعة الصدر حتى في أقسى المحن. حرب لم تكن تستهدف الجغرافيا وحدها، بل الإنسان، وقيمه، وثقته في غده.
لذلك، فإن العودة إلى الخرطوم اليوم ليست رجوعاً إجبارياً او إختيارياً إلى المكان والوجهة ، بل مواجهة صادقة مع الخبايا والبقايا، مع ما هو مؤلم، نعم، لكنه واقع لا مهرب منه. هي أقدارٌ تمضي في مسارها، لا تتقدّم باستعجالنا، ولا تتأخّر برجائنا، لكنها تُعلّمنا ـ إن أحسنّا الفهم ـ أن الأوطان تُشفى بالصبر، وتتعافى بالوعي، وتنهض حين يعرف أبناؤها أن الألم، مهما طال، ليس نهاية الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى