مقالات الرأي
أخر الأخبار

الزراعة أولًا… مشروع الجزيرة بوابة إنقاذ الاقتصاد السوداني بقلم : إدريس هشابه

الزراعة أولًا… مشروع الجزيرة بوابة إنقاذ الاقتصاد السوداني

بقلم : إدريس هشابه

تعرّض مشروع الجزيرة، أكبر المشروعات الزراعية المروية في إفريقيا والعالم العربي، لعملية تدمير ممنهجة على يد مليشيا آل دقلو الإرهابية، في سياق حرب استهدفت الدولة ومقدّراتها الاستراتيجية، وبدعم مباشر من مشيخة أبوظبي، في واحدة من أخطر الضربات التي وُجّهت للاقتصاد الوطني السوداني. ولم يكن مشروع الجزيرة مجرد أرض زراعية، بل كان عبر تاريخه الطويل عمادًا للاقتصاد، ورافعة للتنمية، ومصدرًا رئيسيًا للأمن الغذائي والعملات الصعبة.
إن ما أصاب المشروع لا يمكن التعامل معه كأضرار عارضة، بل هو خراب متعمّد طال البنية التحتية، ونظم الري، والمؤسسات الإدارية، والكوادر الفنية، والمزارعين أنفسهم. لذلك فإن استعادة مشروع الجزيرة إلى سيرته الأولى تتطلب إرادة دولة واضحة، ورؤية استراتيجية شاملة، لا تكتفي بالمعالجات الإسعافية، بل تنطلق من تشخيص علمي دقيق للمشكلة، يضع حلولًا عاجلة وآجلة في آنٍ واحد.
تبدأ المعالجة الحقيقية بإعداد دراسة محكمة ومستقلة، تشخّص جذور الأزمة، وتحدد حجم الضرر، وتقف على مكامن الخلل الإداري والفني والتشريعي، ثم تنتقل لوضع خطة إنقاذ وطنية، تتضمن إعادة تأهيل البنية التحتية للري، واستعادة نظم الإنتاج، وتحديث آليات الزراعة، وضمان حقوق المزارعين وتحفيزهم على العودة للإنتاج.
غير أن الدولة، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، لا تستطيع أن تنهض بالمشروع وحدها. من هنا تبرز أهمية توفير الدعم الفني والمالي اللازم عبر الدخول في شراكات مدروسة مع دول شقيقة وصديقة ومستثمرين أجانب، على أساس المصالح المشتركة، وحفظ السيادة الوطنية، وضمان أن تظل الأرض والإنتاج في خدمة الاقتصاد السوداني، لا رهينة لرأس المال الطفيلي أو الأجندات السياسية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تفعيل مبادرة «السودان سلة غذاء العالم»، التي أقرّها اجتماع الجامعة العربية بالجزائر، لا كشعار سياسي، بل كمشروع عملي يستند إلى ما يملكه السودان من أراضٍ خصبة، ومياه، وخبرات تراكمية، وفي مقدمتها مشروع الجزيرة. فالعالم اليوم يبحث عن الغذاء، والسودان يمتلك مفاتيحه إذا أحسن استثمارها.
إن الزراعة لم تعد خيارًا، بل هي الحل الواقعي لتوفير الاحتياجات المحلية، وتحقيق الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، وفتح أبواب التصدير، وجلب العملات الصعبة، وبناء اقتصاد حقيقي منتج، لا يقوم على الجبايات أو المساعدات. ومشروع الجزيرة هو نقطة الانطلاق الطبيعية لهذا التحول.
إن إعادة إعمار مشروع الجزيرة ليست قضية مزارعين وحدهم، بل معركة وطنية لاستعادة الاقتصاد، وترميم الدولة، وتأمين المستقبل. فإما أن نعيد للزراعة مكانتها، ونجعلها في صدارة أولوياتنا، أو نظل ندور في حلقة الأزمات ذاتها. والزمن، كما الأرض، لا ينتظر المترددين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى