
*لابد من ضبط لهيبة القرار .. بقلم د. إسماعيل الحكيم..*
Elhakeem.1973@gmail.com
أثبتت التجارب في إدارة الدولة .. أن القوة تستمدّ من كتمان أسرارها فليست كل معلومة منشورة سبقًا صحفيًا، ولا كل تسريبٍ يُحسب في ميزان المهنية إنجازًا. فثمّة فرقٌ جوهري بين صحافةٍ تراقب السلطة وتخدم الرأي العام، وبين تسريباتٍ تضرب هيبة الدولة في الصميم وتكشف عورات قرارها السيادي في العلن. وما تشهده الساحة الصحفية السودانية مؤخرًا من تداولٍ واسع لمعلومات سيادية حسّاسة على صفحات بعض الصحفيين، لا يمكن قراءته ببراءة السبق ولا حسن الظن بالاجتهاد المهني، بقدر ما ينبغي فهمه بوصفه مؤشرًا خطيرًا على ضعف القرار، وهشاشة الدولة، وتراخي قبضتها على أسرارها.
إن الدولة الراشدة – أيّ دولة – لا تُدار بمنطق الهمس المتفلّت، ولا تُحكم عبر المجالس المفتوحة على قارعة الصحف ووسائط التواصل. الدولة التي تحترم نفسها، تتكتّم على شؤونها السيادية لا ازدراءً للرأي العام، بل احترامًا له، وإدراكًا بأن كشف كل شيء لا يعني الشفافية، وأن الصمت في موضعه أحيانًا هو عين الحكمة. فالرأي العام لا يُخدع، لكنه أيضًا لا يُدار بالعناوين المثيرة ولا بالتسريبات المبتورة التي تُلقى بلا سياق ولا مسؤولية.
ما يحدث اليوم، من تسريب أخبار تتعلق بحل مجلس السيادة، أو إعفاء وزراء وولاة ، أو غير ذلك وما “خفي أعظم”، ليس مجرّد مادة صحفية عاديّة أو نشر حميد . إنّه تفريغٌ متعمّد أو متهاون لأسرار الدولة، وتسليمٌ لقرارها إلى فضاءٍ مفتوح تتقاذفه الشائعات والتأويلات، وتستثمره الخصومات الداخلية والرهانات الخارجية على حدّ سواء. فحين تصبح أخبار الدولة على “قفا من يحمل”، وفي أفواه المتسولين وحين يُحدِّث بعض المقربين بما لا يجوز الحديث عنه ، ثم يجد ذلك طريقه إلى الصفحات والمنصات، فإن الخلل هنا لا يكمن في الصحافة وحدها، بل في مطبخ القرار نفسه.
فلكل دولة أسرارها ومركز قرارها . وليست الأسرار عيبًا في حد ذاتها، بل هي من مقومات البقاء ومصادر القوة. بها تُدار التوازنات، وتُحسب الخطوات، وتُصاغ الاتجاهات الكبرى. والدول لا تُقاس بكم ما يُنشر عنها، بل بقدرتها على ضبط ما ينبغي أن يُقال، ومتى، وكيف، ولمن؟أما أن يُترك الأمر للأهواء ، أو للأمزجة، أو لعلاقات القرب والوشاية، فذلك ما ينذر بانفلات الدولة من صورتها، وتآكل هيبتها من الداخل قبل الخارج.
والخطير في هذه التسريبات ليس مضمونها وحده ، بل توقيتها وسياقها. فالسودان يمرّ بلحظة تاريخية بالغة التعقيد، ومرحلة تتشابك فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتتكاثر حوله الأطماع والضغوط. وفي مثل هذه اللحظات، لا تحتاج البلاد إلى دولة مرتبكة، ولا إلى قيادة مترددة، ولا إلى قرار يُطبخ ثم يُسرَّب قبل أن ينضج. السودان اليوم بحاجة إلى القويّ الأمين ، قوي في قراره، أمين على أسرار دولته، مدرك لخطورة الكلمة حين تخرج من موضعها.
إن تحويل الشأن السيادي إلى مادة تداول صحفي قبل أوانه، لا يخدم الانتقال، ولا يعزّز الثقة، ولا يطمئن الداخل ولا الخارج. بل يفتح الباب واسعًا أمام التأويل، ويغذّي الإشاعات والظنون ويُربك الشارع، ويُضعف بذلك موقف الدولة التفاوضي والسياسي. والأسوأ من ذلك، أنه يبعث برسالة فادحة ،أن الدولة نفسها لا تثق في قدرتها على الصمت المنظّم، ولا تملك أدوات إدارة المعلومة.
لسنا ضد الصحافة، بل معها حين تكون سلطة وعي لا سلطة فوضى. ولسنا دعاة تكميم، بل أنصار تمييز بين ما هو حق عام مشروع، وما هو سر سيادي واجب الحفظ. فالدول تُبنى بالمسؤولية قبل الشعارات، وبالحكمة قبل الجرأة، وبالانضباط قبل التسريب.
وإن لم يُعالج هذا الخلل من جذوره، وإن لم يُعاد الاعتبار لهيبة القرار، وضبط مسارات المعلومة، فإن ما نراه اليوم من تسريبات، لن يكون إلا مقدّمة لما هو أخطر دولة تُدار في العلن، وتُستنزف في التفاصيل، وتُهزم قبل أن تُستهدف.



