عمق المشهد عصام حسن علي يكتب…… رسالة لرئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة

عمق المشهد
عصام حسن علي يكتب……
رسالة لرئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة
الدولة التي تريد أن تنهض… لا تُدار بالذاكرة
التغيير اليوم في السودان لم يعد ترفًا فكريًا ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل صار شرطًا أساسيًا للبقاء ذاته. نحن أمام بلد خرج من حرب مدمّرة، لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والجسور، بل إلى إعادة بناء العقل الذي يدير الدولة، والمؤسسات التي يفترض أن تقود الناس نحو المستقبل لا أن تجرّهم إلى الماضي.
المشكلة الحقيقية ليست في نقص الكفاءات، بل في الإصرار على إدارة مرحلة استثنائية بعقليات أنهكها الزمن، واستنفدت أدواتها، ولم تعد قادرة على فهم تعقيدات ما بعد الحرب. كثير من مديري المؤسسات اليوم ينتمون لمرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة الاستقرار الشكلي، والروتين، وإدارة الأزمات بالمسكنات. أما المرحلة القادمة فهي مرحلة قرارات شجاعة، تفكير غير تقليدي، وسرعة استجابة لا تحتمل البطء ولا الحسابات الشخصية.
انظر إلى المؤسسات العسكرية، رغم كل ما يُقال، ستجد أن التغيير فيها يخضع لقواعد صارمة: سنوات خدمة، إحالات للمعاش، لا مجاملة فيها ولا تجديد شكلي للأشخاص أنفسهم. هناك إدراك عميق بأن المؤسسة لا تعيش بالأفراد، بل تتجدد بهم. فلماذا تُترك المؤسسات المدنية رهينة لأسماء ثابتة، وكأنها وُجدت إلى الأبد؟ لماذا يصبح الكرسي حقًا مكتسبًا، لا مسؤولية مؤقتة تُؤدى ثم تُسلَّم؟
سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى مدراء بعقليات شابة، لا بالضرورة صغار سنًا، بل شباب فكرًا: يؤمنون بالحوكمة، بالشفافية، بالعمل الجماعي، وبأن المنصب ليس غنيمة بل عبء. عقول تفهم لغة العصر، تتعامل مع التكنولوجيا لا كزينة، بل كأداة إدارة، وتدرك أن العالم لا ينتظر المترددين.
التغيير هنا ليس إهانة للخبرات القديمة، ولا إنكارًا لما قُدم في السابق، لكنه اعتراف صريح بأن لكل مرحلة رجالها وأدواتها. ومن لا يستطيع مواكبة المرحلة، فخروجه الكريم اليوم أفضل ألف مرة من بقائه عائقًا غدًا.
أخطر ما يمكن أن نفعله بعد الحرب هو أن نعيد إنتاج نفس الوجوه، بنفس الذهنيات، ثم ننتظر نتائج مختلفة. هذا وهم. البلد الذي دفع هذا الثمن الباهظ يستحق إدارة جديدة بروح جديدة، وقرارات لا تخاف، وخيارات لا تُدار بالمحاباة ولا بالموازنات الضيقة.
التغيير ضرورة قصوى، لا شعارًا سياسيًا ولا مطلبًا نخبويًا، بل حق أصيل لشعب يريد أن يبدأ من جديد. ومن لا يفهم هذه الحقيقة الآن، سيفرضها الواقع لاحقًا… ولكن بثمن أعلى.
فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض



