مقالات الرأي
أخر الأخبار

إسماعيل حسن عثمان يكتب : تاركو للطيران ..رحلة نجاح

إسماعيل حسن عثمان يكتب :

تاركو للطيران ..رحلة نجاح

في الأوقات العادية، يقاس نجاح شركات الطيران بعدد الطائرات، واتساع شبكاتها، وانتظام جداولها، لكن في أوقات الشدة، حين تغلق المطارات وتختلط السماء بالقلق، تتغير المعايير، يصبح السؤال البسيط عميقاً: من بقي واقفاً؟ ومن استطاع أن يجعل الطيران رسالة قبل أن يكون مجرد نشاط تجاري؟
وعندما اندلعت الحربفي ابريل 2023، توقفت أجنحة كثيرة، لكن شركة تاركو للطيران اختارت أن تُحلّق بما تبقى من معنى، لم تنتظر هدوء السماء، ولم تؤجل القرارات، بل أعادت ترتيب حياتها المهنية بهدوء وحكمة، مؤمنة بأن ما يُبنى بالصبر والتخطيط المستدام يدوم ،أربع طائرات فقط كانت كافية لتبدأ الحكاية من جديد، ليس ضجيجاً، ولا إعلاناً عن بطولة، بل رحلات إجلاء، ووجوه متعبة، وحقائب تحمل أكثر مما تتحمل.

شيئاً فشيئاً، تحوّلت الضرورة إلى نظام، والإجلاء إلى شبكة، والخدمة الإنسانية إلى تشغيل إقليمي واسع، بلغ إحدى عشرة وجهة، لتصبح تاركو أكبر شركة طيران سودانية في التشغيل الإقليمي، لكن ما يميز هذه التجربة ليس عدد الوجهات، بل عمق التفكير واستشراف المستقبل…وعندما ضاقت المطارات، اتسعت الأفكار، وحين تقلص التشغيل الجوي، وُلدت شركات جديدة منبثقة عن الشركة الأم: المناولة الأرضية، التموين، الشحن الجوي والبحري. رؤية تقوم على استيعاب كل الموظفين، وحماية رأس المال البشري، وتحويل التحديات إلى فرص، دون أن تفقد المؤسسة إنسانيتها أو مرونتها.

في بورتسودان، لم تُبنَ المكاتب فقط، بل بُنيت الثقة، أول صالة ترانزيت مملوكة لشركة طيران في مطارات السودان لم تكن رفاهية، بل رسالة: إن الراكب، حتى في أقسى الظروف، يستحق الطمأنينة والراحة. وفي دنقلا وكسلا، لم تكن المناولة الأرضية مجرد معدات، بل استعداد كامل لتقديم خدمات شاملة للطائرات الأجنبية في المطارات الولائية، مدعومة باعتماد رسمي من سلطة الطيران المدني.

خلف هذا النجاح يقف الثنائي المؤسس لرؤية الشركة، قسم الخالق بابكر رئيس مجلس الإدارة، وسعد بابكر المدير العام. شراكة لا تقوم على المناصب أو الصلاحيات فقط، بل على فهم عميق لطبيعة العمل، وإيمان راسخ بأن الشركة كيان حي، والموظف ليس مجرد رقم. هذا الثنائي كان دائماً مصدر الإلهام لكل كوادر الشركة، محفزاً على الابتكار والمبادرة، وموجهاً كل قرار بإحساس عميق بالمسؤولية الوطنية.

ولا يكتمل الحديث عن نجاح تاركو دون الإشارة إلى الفريق بأكمله: الطيار، المهندس، موظف الحجز، فريق المناولة الأرضية، التموين، الشحن البحري والجوي. كل هؤلاء يمثلون رأس المال الحقيقي للشركة، وهم الذين جعلوا من تاركو قصة تُروى، وليست مجرد شركة تُذكر، جهودهم المستمرة جعلت من المجموعة نموذجاً وطنياً يحتذى به في الإدارة الذكية والخدمة الإنسانية.

تاركو لم تُسجّل نجاحها في الأرقام وحدها، بل في تحويل الطيران إلى رسالة وطنية وإنسانية.،شبكتها الواسعة، شركاتها المنبثقة، صالاتها الأرضية، ومراكز العمليات المتعددة، كل ذلك يجسد قدرة سودانية على الصمود، على الابتكار، وعلى خدمة الإنسان قبل أن يكون الربح هدفاً.
في زمن اختلطت فيه الاتجاهات وتداخلت المصالح، ظلّت تاركو تعرف وجهتها، تعرف أن النجاح الحقيقي ليس مجرد الطيران إلى مطارات بعيدة، بل الطيران بأخلاق وبمعنى، وبإدارة تلهم كل من يعمل فيها. وهذا، في عالم الطيران، هو الإنجاز الأعظم، والدرس الذي يمكن لكل سوداني أن يتعلمه من تجربة وطنية رائدة، تذكرنا بأن الطيران أحياناً لا يكون مجرد سفر، بل رسالة وأمل ووجود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى