حين يتحوّل الإحسان إلى استعراض*. بقلم د. إسماعيل الحكيم

*حين يتحوّل الإحسان إلى استعراض*
*بقلم د. إسماعيل الحكيم..**
Elhakeem.1973@gmail.com
شهدت إحدي الصالات الفخيمة بالقاهرة إحتفالاً أقامه ودعا إليه المدعو شيخ الأمين ، بمناسبة إطعامه لسكان حييه في أم درمان لمدة 1000 يوم في زمن الحرب هذه ، فليس كل احتفالٍ مدحاً، ولا كل تجمعٍ شكراً، ولا كل ضوءٍ دليلاً على النعمة.
فثمة مشاهد، مهما ازدانت بالأسماء اللامعة والوجوه المعروفة، لا تُقرأ إلا بوصفها مفارقة أخلاقية فادحة، بل استفزازاً صريحاً لوجعٍ لم يجف بعد.
في مصر، أُقيم احتفالٌ قيل إنه بمناسبة مرور ألف يوم على تقديم الطعام لمن حبستهم الحرب وتقطعت بهم سبل الكسب. ظاهره فعل خير، وباطنه – كما بدا – استعراضٌ فجّ لا يليق بعظمة المعنى ولا بثقل المأساة. احتفالٌ نظّم على نسق من الضجيج، وحُشدت له أسماء نوعية يتقدمها السفير عدوي، والفريق بن عوف، وأحمد الميرغني، وعلي مهدي، والهندي عزالدين، وغيرهم. أسماء جاءت… وليتها لم تأتِ.
أُجلس المدعو شيخ الأمين في صدر القاعة على كرسي بدا أقرب إلى عرش فرعوني، لا إلى مجلس شكر. ووضعت أمامه تورتة بلونٍ سماويّ، منحوّتٌ عليها الرقم (1000) مع عبارة أخرى في إشارة رمزية إلى ألف يوم من العطاء. غير أن الرمز، بدل أن يسمو بالفعل، أسقطه في فخ الرياء، حين تحوّل الإحسان من سرٍ بين العبد وربه إلى صورةٍ جماعية تلتقطها العدسات، ويصاحبها تصفيق وموسيقى وبهجة مصطنعة.
كان المشهد – بكل ما فيه – صادماً. فالحرب لم تنتهِ بعدُ ، والجراح ما زالت نازفة ، ودموع أهل السودان لم تجف بعدُ . آلاف الأسر ما تزال تحت النار، لم تغادر، ولم تجد مأوى، ولم تُنقذها صالات الاحتفال ولا أضواء المنصات. ومع ذلك، يُقام احتفال تعج قاعته بالبذخ، وينضح فضاؤه بالإسراف، وتتعالى فيه أنغام الموسيقى، ويتمايل الحضور على إيقاع الفرح.
أيُّ فرحٍ هذا؟ وأيُّ شكرٍ يُقدَّم بهذه الصورة؟
الشكر الحقيقي – كما تعلّمنا – ليس ضجيجاً، بل خشوع. وليس استعراضاً، بل تواضع. وليس احتفالاً بالنفس، بل اعترافاً بالنعمة وطلباً للمزيد منها لخدمة الناس. أما أن يتحول الإحسان إلى مناسبة للتمجيد الذاتي، فذلك جحودٌ مقنّع، مهما حسنت النوايا.
والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: ما المقصود من وراء هذا التحشيد؟
ألم تكن هذه الأموال أولى بأن تُوجَّه إلى الغلابة والضعفاء داخل السودان إن هم الهدف؟ أولئك الذين لم يغادروا، ولم تُفتح لهم قاعات، ولم تُقطع لهم تورات، وظلوا ألف يوم مكتوين بجحيم الحرب ونيرانها؟
وتحت القصف والتدوين ..
إن أخطر ما في مثل هذه المشاهد أنها لا تجرح الفقراء فقط، بل تسيء إلى معنى العمل الإنساني ذاته. تحوّله من واجب أخلاقي إلى عرضٍ عام، ومن صدقةٍ خالصة إلى شهادةٍ اجتماعية، ومن نُبلٍ صامت إلى صخبٍ فارغ.
لم أكن يوماً ضد العطاء، بل ضده حين يُحتفل به على هذا النحو. ولست ضد الفرح، بل ضده حين يُبنى فوق أنقاض الألم.
أما الاحتفال الحقيقي، فموعده معلوم، ومكانه معروف، وزمانه لم يحن بعد ، فعند توقف الحرب، وعند اندمال الجراح، وعند تحقق النصر…
وعندها فقط، ستكون الاحتفائية حقاً، والله بها عليم . وقد يخالفني بعضهم في ما ذهبت إليه .. فإن إختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ..



