الأخبار
أخر الأخبار

جهاز المخابرات العامة… وإعادة ضبط بوصلة الدولة بقلم إدريس هشابه

جهاز المخابرات العامة… وإعادة ضبط بوصلة الدولة

بقلم :إدريس هشابه

ليست أخطر القرارات التي أفقدت الدولة السودانية توازنها نابعة من ثورة شعبية خالصة، بقدر ما كانت نتاج تداخل معقّد بين دوائر استخبارات خارجية، وسفارات معادية، وتمويل سياسي موجّه، استثمر في هشاشة المشهد الحزبي وضعف الوعي الديمقراطي لدى قوى مجهرية لم تختبر الدولة ولا أدركت معنى السيادة.
تلك القوى، التي امتطت موجة الفوضى، أفرزت نماذج سياسية وإدارية بلا سند وطني حقيقي، جرى إعداد بعضها في مطابخ المنظمات العابرة للحدود، لتكون أدوات طيّعة في مشروع تفكيك الدولة من الداخل. وقد قاد ذلك المسار البلاد إلى حالة من التيه السياسي انتهت بحرب مدمرة، كادت أن تعصف بوحدة السودان وتدفع به نحو مصير الدويلات المتناحرة.
في خضم هذه الفوضى المصنوعة، كان جهاز المخابرات العامة أحد أكثر مؤسسات الدولة استهدافًا وتشويهًا، خصوصًا خلال فترة الحكم الانتقالي. تعرض الجهاز آنذاك لحملات منظمة شملت التسريح، ونزع الصلاحيات، واتهامات التمرد، واحتلال المقار، وتجريد المؤسسة من أدواتها السيادية، وتحويلها إلى مجرد مركز معلومات خاضع لإرادة سلطة سياسية مخترَقة، بينما كانت مليشيا الدعم السريع تتمدد وتستولي على السلاح والنفوذ.
ورغم ذلك الاستهداف غير المسبوق، أثبت جهاز المخابرات العامة، مع اندلاع الحرب، أنه أحد أهم ممسكات الدولة، ليس فقط في الجانب الأمني والعسكري، بل في حماية المجتمع، ودعم المؤسسات المدنية، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة في زمن الانهيار.
ويأتي الإعلان الأخير عن استرداد 570 قطعة أثرية منهوبة ليشكّل نموذجًا دالًا على احترافية الجهاز ومهنيته العالية. عملية دقيقة، معقدة، نُفذت بصمت، وأُعلن عنها عبر مؤتمر رسمي أعدته وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بوصفها الجهة المختصة بالمتاحف، في تناغم مؤسسي يعكس عودة الدولة إلى مسارها الطبيعي القائم على توزيع الاختصاصات واحترام الأدوار.
هذه العملية لم تكن مجرد إنجاز أمني، بل رسالة سياسية وثقافية بالغة الدلالة: أن الدولة حاضرة، وأن ذاكرتها التاريخية ليست مستباحة، وأن مؤسساتها قادرة على الفعل متى ما أُطلقت يدها بعيدًا عن الابتزاز السياسي والوصاية الخارجية. كما أسقطت هذه العملية الادعاءات التي روّج لها البعض عن انتماء الجهاز لتيار سياسي بعينه أو كونه أداة بطش، وهي روايات صُنعت على موائد السفارات، وروّج لها ناشطون بلا مشروع وطني.
التحية لجهاز المخابرات العامة، قيادةً وضباطًا وجنودًا، من رئيسه الفريق أول مفضل إلى آخر جندي في الميدان. فقد كشفت تجربة الحرب، رغم قسوتها، حقيقة لا تقبل الجدل: لا دولة بلا مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، مهنية، ومنضبطة، تحمي الأمن القومي، وتمنع انهيار الاقتصاد، وتحول دون تفكك المجتمع.
لقد أعادت الحرب ترتيب الأولويات، وكشفت من كان مع الدولة ومن كان عليها. وجهاز المخابرات العامة، بما قدّمه من تضحيات وأدوار، لم يُعد فقط حماية الأمن، بل أسهم في إعادة ضبط بوصلة الدولة نفسها. ومن لا يتعلم من هذه اللحظة، سيظل يكرر أخطاء الفوضى، ويدفع الوطن ثمنًا لا يحتمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى